وهم الضحية… حين يتحول الماضي إلى سجنٍ يختار الإنسان البقاء فيه

من بين أكثر الأفكار التي شاعت في العقود الأخيرة، حتى كادت تتحول إلى مسلمة لا يجوز الاقتراب منها، تلك الفكرة التي تجعل الإنسان أسيراً أبدياً لماضيه، وتصور كل ما يصدر عنه من أخطاء، أو انحرافات، أو عجز، بوصفه نتيجةً حتمية لما تعرض له في طفولته أو صباه من إساءات، أو حرمان، أو عنف، أو إهمال. وقد بدا هذا الخطاب، في ظاهره، تعبيراً عن قدر كبير من التعاطف الإنساني، لكنه، في كثير من الأحيان، انتهى إلى نتيجة معاكسة تماماً؛ إذ أنه لم يحرر الإنسان من ماضيه، بل أحكم إغلاق أبوابه عليه، وجعل منه سجيناً لا يُنتظر منه أن يغادر زنزانته، بل أن يتكيف معها ويبرر بها كل ما يفعل.
ولاريب في أن للطفولة أثرها العميق في تشكيل الشخصية، وأن الإنسان قد يحمل في نفسه ندوباً نفسية تستمر معه سنوات طويلة، وليس في هذا ما يدعو إلى الإنكار أو التقليل من شأن الألم الإنساني، غير أن الاعتراف بالتأثير شيء، والقول بالحتمية شيء آخر مختلف تماماً. فالفرق بينهما هو الفرق بين تفسير الظاهرة وتحويلها إلى قدَر لا فكاك منه.
فكثيرٌ من الخطابات النفسية والاجتماعية المعاصرة تقع، من حيث لا تشعر، في هذا الخلط المنهجي. فهي تبدأ بمحاولة تفسير السلوك في ضوء التجارب السابقة، ثم تنتهي إلى إعفاء الإنسان، بصورة ضمنية أو صريحة، من مسؤوليته عن إعادة تشكيل نفسه. وهكذا يتحول الماضي من كونه أحد العوامل المؤثرة إلى القوة المطلقة التي لا تترك للحاضر ولا للمستقبل أي سلطان.
وهنا تكمن المغالطة الكبرى؛ فالإنسان ليس مجرد حاصل جمع لما حدث له، وإنما هو أيضاً ما يختار أن يفعله بما حدث له. وقد يتعرض اثنان للظرف نفسه، وللإساءة ذاتها، وللحرمان نفسه، ثم يسلك أحدهما طريق النهوض، بينما يختار الآخر طريق الاستسلام. ولو كانت التجربة الماضية وحدها هي التي تصنع المصير، لما أمكن تفسير هذا الاختلاف الجذري بين البشر. وهذا يعني أن التجربة لا تعمل وحدها، بل تتوسطها الإرادة، والوعي، والقدرة على إعادة تفسير الذات والعالم. فالإنسان لا يعيش الوقائع كما هي، وإنما يعيش التمثلات التي يكونها عنها. وقد تكون الحادثة واحدة، لكن معناها يختلف باختلاف الكيفية التي يروي بها الإنسان قصته لنفسه.
ومن هنا يمكن فهم عقلية الضحية بوصفها واحدة من أخطر تجليات فائض التمثل. فما أن يتعرض الإنسان لظلم أو أذى حتى يبدأ فائض التمثل في بناء هوية كاملة حول تلك الحادثة. ولا يعود الإنسان يقول: “لقد تعرضت لظلم”، وإنما يقول بلسان حاله: “أنا الضحية”. وبين العبارتين فرق هائل؛ فالأولى تصف واقعة، أما الثانية فتعيد تعريف الإنسان كله من خلال تلك الواقعة.
وهكذا لا تعود الصدمة حدثاً من الماضي، بل تصبح هوية يعيشها الإنسان كل يوم. ولا يعود الألم تجربةً يريد تجاوزها، بل يتحول إلى عدسة ينظر من خلالها إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى العالم كله. وعند هذه النقطة يصبح الماضي أكثر حضوراً من الحاضر، ويغدو الإنسان هو الحارس الأمين لسجنه، لأنه يخشى، من حيث لا يشعر، أن يفقد هويته إذا تخلى عن قصة الضحية التي ألفها طويلاً.
ولعل أخطر ما في عقلية الضحية أنها تمنح صاحبها مكاسب خفية يصعب التخلي عنها. فهي تعفيه من مراجعة نفسه، وتوفر له تفسيراً جاهزاً لكل إخفاق، وتمنحه شعوراً دائماً بأنه يستحق التعاطف دون أن يكون مطالباً ببذل الجهد اللازم لتغيير حياته. ومادام أن سبب كل ما يعانيه موجود في الماضي، فإن مسؤولية المستقبل تغدو، في نظره، مسؤولية الآخرين وليست مسؤوليته.
ومن هنا تتحول الضحية، من حيث لا تدري، إلى سجان نفسها. وليس معنى هذا أن الإنسان لم يكن ضحية في مرحلة من حياته. فقد يكون قد تعرض بالفعل لظلم لا يستحقه، أو لإساءة لا ذنب له فيها، لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين يسمح لذلك الماضي بأن يحدد كل ما سيكونه في المستقبل. فأن يكون الفرد ضحية بالأمس ليس اختياراً، أما أن ببقى ضحية طوال حياتك فذلك، في جانب كبير منه، قرار يتجدد كل يوم، ولو لم يشعر صاحبه بأنه يتخذه.
إن الإرادة الإنسانية لا تلغي الماضي، لكنها تمنع الماضي من أن يلغي المستقبل. وهذه هي الحقيقة التي كثيراً ما يغفلها الخطاب الذي يبالغ في تمجيد فكرة الضحية. فهو، بدافع التعاطف، يسلب الإنسان أعظم ما يملكه، وهو قدرته على التغيير. وما أقسى أن يُقنع الإنسان بأنه عاجز، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يشفى.
إن أعظم الثورات التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها هي ليست ثورة على الآخرين، وإنما ثورته على الصورة التي رسمها لنفسه. فاللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يكف عن تعريف ذاته بما أصابه، ويبدأ بتعريفها بما يستطيع أن يصنعه، هي اللحظة التي يبدأ فيها ميلاده الحقيقي.
ولعل التاريخ الإنساني بأسره شاهد على أن أعظم الرجال والنساء ليسوا من الذين عاشوا بلا جراح، وإنما هم أولئك الذين رفضوا أن تتحول جراحهم إلى تعريف نهائي لهم. فما أكثر من خرجوا من أقسى البيئات ليصنعوا أعظم الإنجازات، وما أكثر من عاشوا في أفضل الظروف ثم قضوا أعمارهم أسرى أوهام صنعوها لأنفسهم. وليس ذلك لأن الأولين كانوا أقل ألماً، بل لأنهم امتلكوا شجاعة التمرد على سلطان فائض التمثل، فلم يسمحوا له بأن يقنعهم بأن ماضيهم هو مستقبلهم، أو أن ضعفهم المؤقت هو حقيقتهم الأبدية.
إن الإنسان، حين يوقظ إرادته، لا يغير ظروفه فحسب، بل يعيد كتابة نفسه من جديد. وما الإرادة إلا إعلان داخلي بأن الماضي قد يفسر البداية، لكنه لا يملك حق كتابة النهاية. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يقال لإنسان جريح هو ليس “أنت ضحية”، وإنما “ستظل ضحية”. أما أصدق ما يمكن أن يقال له فهو أن ما أصابه لا يحدد ما يستطيع أن يكونه، وأن الإنسان، إذا تحرر من عبودية التمثلات التي صنعها عن نفسه، امتلك من القدرة على تجاوز ضعفه ما يجعل المستحيل نفسه قابلاً لأن يُراجع تعريفه. فليست البطولة في أن يكون الإنسان قد نجا من الألم، وإنما في أن يمنع الألم من أن يصبح هويته. وليست الحرية في أن يغير الإنسان ماضيه، فهذا مستحيل، وإنما في أن يرفض السماح للماضي بأن يستعبد مستقبله. وحين يفعل ذلك، يثبت لنفسه قبل أن يثبته للعالم كله أن الإرادة الإنسانية، متى تحررت من أوهام العجز التي يغذيها فائض التمثل، فإنها تستطيع أن تُخضع لها الجبال، لأنها تبدأ أولاً بإخضاع أصعب ما في الوجود: النفس التي أقنعت نفسها، زمناً طويلاً، بأنها لا تستطيع أن تتغير.

أضف تعليق