“كلٌ يجتذب قَدَرَه”… لماذا لا علاقة لهذه المقولة بقانون الجذب؟

من بين أكثر الاعتراضات التي تتكرر كلما طرحت مقولتي: “كلٌ يجتذب قَدَرَه”، ذلك الاعتراض الذي يذهب أصحابه إلى أن هذه المقولة لم تأتِ بجديد، وأنها ليست إلا إعادة صياغة لما اشتهر في العقود الأخيرة تحت اسم “قانون الجذب”، أو لما ورد في كتاب (السر) The Secret، أو لما نجده في بعض المذاهب الروحية المنبثقة عن فلسفات الشرق الأقصى، كالطاوية والـ Zen   وبعض التأويلات البوذية، التي تقول إن الإنسان يجذب إلى نفسه الخير والشر بحسب طبيعة أفكاره، وأن ما يفكر فيه بإلحاح يتحول، بطريقة ما، إلى واقع يعيشه. ويبدو هذا الاعتراض، للوهلة الأولى، معقولاً؛ إذ أن كلمة “يجتذب” تكاد تكون مشتركة بين المقولتين. غير أن الاشتراك في اللفظ لا يعني الاشتراك في المعنى، كما أن تشابه المصطلحات لا يدل بالضرورة على وحدة المقاربات. بل أن الفارق بين ما أقوله وبين تلك النظريات يبلغ من العمق ما يجعل الجمع بينهما أقرب إلى الخلط المنهجي منه إلى المقارنة العلمية.
فجميع تلك المذاهب، على اختلافها، تجعل الإنسان هو مركز الفعل. فهو الذي يصنع واقعه، ويشكل مستقبله، ويستدعي الأحداث إلى حياته بقوة الفكر أو النية أو التأمل أو الذبذبات أو غير ذلك من التصورات. فالخير الذي يصيبه، بحسب هذه الرؤية، ثمرة مباشرة لما فكر فيه، والشر الذي ينزل به نتيجة لما استقر في ذهنه من صور سلبية. ولذلك يصبح العقل، في هذه المقاربة، أشبه بقوة خفية تعيد تشكيل العالم وفق ما يريد الإنسان.
أما مقولتي “كلٌ يجتذب قَدَرَه” فلا علاقة لها بهذا كله.
فالقدر الذي أقصده ليس ما يتمناه الإنسان، ولا ما يتخيله، ولا ما يطمح إلى امتلاكه، ولا ما يخشاه أو يرجوه. وليس المقصود أن الإنسان يستطيع بمجرد التفكير أن يجذب مالاً أو منصباً أو زوجةً أو نجاحاً أو أن يُنزِل الهزيمة بعدوه. فمثل هذه القضايا، سواء صحت بعض تطبيقاتها النفسية أم لم تصح، تبقى خارج المقصود تماماً. فالقدر الذي أتحدث عنه هو القدر الإلهي بمعناه القرآني. وهذا القدر لا يخضع لرغبة الإنسان، بل يخضع لإرادة الله. وهو لا يُمنح للإنسان لأنه فكر فيه، وإنما لأنه يمثل الوسيلة التي شاء الله أن يُظهر بها حقيقة هذا الإنسان. فالإنسان، منذ أن خلقه الله، يحمل في داخله مجموعة من الاحتمالات الكامنة؛ احتمالات الخير والشر، والصدق والكذب، والرحمة والقسوة، والإيمان والجحود، والإخلاص والنفاق، والشجاعة والجبن. وهذه الإمكانات لا تظهر بمجرد وجودها، وإنما تحتاج إلى ظروف معينة تستدعيها إلى الوجود. وهنا يأتي دور القدر. فالقدر، في هذه المقاربة، ليس مجرد سلسلة من الأحداث تقع اعتباطاً، ولا هو مكافآت وعقوبات موزعة بطريقة آلية، وإنما هو البنية التي يصوغ الله بها حياة الإنسان، بحيث يتعرض، عبرها، للمواقف الكفيلة بإظهار ما كان خفياً في نفسه.
ولهذا فإن الإنسان، حين “يجتذب قدره”، فإنه لا يجتذب ما يشتهي، وإنما يجتذب ما يكشفه. فالإنسان يجتذب الأشخاص الذين سيُظهرون مقدار صدقه أو زيفه، ويجتذب المحن التي ستكشف صبره أو جزعه، ويجتذب النعم التي ستظهر شكره أو طغيانه، ويجتذب السلطة التي ستفضح عدله أو ظلمه، ويجتذب الفقر الذي سيكشف قناعته أو سخطه، كما يجتذب الغنى الذي سيظهر كرمه أو بخله. فالقدر، بهذا المعنى، ليس استجابة لرغبات الإنسان، بل هو استجابة لحكمة الله في امتحانه.
ومن هنا فإن علاقة الإنسان بالقدر تمتد إلى الماضي كما تمتد إلى المستقبل، ولا تقتصر على الحاضر وحده. فكل ما مر به الإنسان من أحداث، وكل ما سيمر به لاحقاً، هو ليس مجرد تعاقب زمني، بل حلقات في مسار واحد يقود إلى غاية محددة، هي أن يظهر الإنسان على حقيقته، وأن تتحول إمكاناته الكامنة إلى واقع مشهود. ولهذا كان القرآن يربط الابتلاء دائماً بالكشف، ليس بمجرد الجزاء. فالامتحان لا يُنشئ الحقيقة، وإنما يُظهرها. والفتنة لا تخلق الإيمان أو النفاق، وإنما تكشف أيهما كان كامناً في النفس. والمحنة لا تصنع الشجاعة أو الجبن، وإنما ترفع الغطاء عنهما. وبهذا المعنى يصبح القدر أشبه بالمسرح الذي تُعرض عليه حقيقة الإنسان، لا بالمصنع الذي تُصنع فيه تلك الحقيقة.
ومن هنا أيضاً يتبين الفرق الجوهري بين المقاربتين. فقانون الجذب يجعل الإنسان هو الذي يوجه العالم نحوه. أما المقاربة التي أقول بها فإنها ترينا أن الله هو الذي يوجه العالم كله نحو الإنسان، لا ليحقق رغباته، وإنما ليحقق الغاية التي خُلق من أجلها، وهي أن تتجلى حقيقته كاملةً، فلا يبقى في نفسه احتمال لم يظهر، ولا استعداد لم يُختبر، ولا وجه خفي لم تكشفه الأيام.
ولذلك فإن مقولة “كلٌ يجتذب قَدَرَه”  ليست دعوة إلى صناعة الواقع بقوة التفكير، وليست فلسفة للتفاؤل أو للتنمية الذاتية، ولا إعادة إنتاج لقانون الجذب في ثوب ديني، وإنما هي محاولة لإعادة فهم القدر نفسه، بوصفه نظاماً إلهياً بالغ الدقة، يجعل حياة الإنسان كلها رحلة كشف متواصل، تتكامل فيها أحداث الماضي والحاضر والمستقبل، حتى يقف الإنسان بين يدي الله وقد تجلت صورته الحقيقية كاملة، دون زيادة أو نقصان.

أضف تعليق