التدين كما أراده الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم… بين “مثقال ذرة” و”طرفة عين”

من بين أكثر القضايا التي تستحق أن يعاد النظر فيها في واقعنا الإسلامي المعاصر، قضية الصورة التي ينبغي أن يكون عليها التدين الحق، ذلك أن كثيراً من الناس قد اختزلوا التدين في أداء مجموعة من الشعائر والفرائض ضمن أوقات محددة، حتى غدا التدين، في نظرهم، نشاطاً دينياً يؤديه الإنسان دقائقَ من يومه، ثم يعود بعد ذلك إلى حياته المعتادة، وكأن العبادة شيء، وتزكية النفس شيء آخر. غير أن المتأمل في هدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجد صورة مختلفة تماماً؛ صورة تجعل التدين مشروعاً دائماً لإصلاح القلب، لا مجرد التزام شكلي بأعمال الجوارح.
ولعل حديثين شريفين يكفيان لإظهار هذه الحقيقة بأوضح بيان. يقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”، ويقول في دعائه: “اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين”. وليس من قبيل المصادفة أن يتوقف الحديث الأول عند عبارة “مثقال ذرة”، ولا أن يتوقف الثاني عند عبارة “طرفة عين”. فهاتان العبارتان تكشفان مقدار الدقة التي أرادها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في تزكية النفس، ومقدار الحذر الذي ينبغي أن يلازم المؤمن في سيره إلى الله. فليست القضية أن يتجنب الإنسان الكبر في صوره الفاضحة فحسب، بل أن يفتش عن أدق آثاره وأخفاها، حتى تلك التي لا تكاد تُرى. وليست القضية أن يستعين بربه في الملمات وحدها، بل ألا يطمئن إلى نفسه لحظة واحدة، ولو بمقدار طرفة عين. فنحن أمام تدين يقوم على مراقبة مستمرة للقلب، لا على مراقبة الناس. تدين يخشى من ذرة كبر، كما يخشى من معصية ظاهرة، ويستكثر من عون الله حتى في أقصر لحظات الزمن، لأنه يعلم أن النفس إذا وكلت إلى نفسها هلكت، وأن النجاة ليست بقدرة الإنسان على نفسه، وإنما بتوفيق الله ورحمته.
غير أن الصورة السائدة للتدين في كثير من الأحيان تبدو مختلفة عن هذا النموذج النبوي. إذ ينصرف الاهتمام إلى استيفاء الصورة الظاهرة للعبادة، بينما يقل الاهتمام بما ينبغي أن يصاحبها من حضور القلب وإخلاص النية وحسن الخلق. فيستطيع المرء أن يؤدي الصلاة، وإن كان قلبه مشغولاً بالدنيا، ويستطيع أن يكثر من النوافل، وإن بقيت في نفسه بقايا من الكبر أو الرياء أو احتقار الناس. وكأن العبرة أصبحت بعدد العبادات، لا بالأثر الذي تتركه هذه العبادات في النفس. ولا يعني ذلك التقليل من شأن الشعائر، فهي أعظم أركان الدين بعد الإيمان، وإنما يعني أن هذه الشعائر لم تشرع لتكون غاية في ذاتها، بل لتكون وسائل لتزكية الإنسان. فالصلاة التي لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر قد فقدت جزءاً من مقصدها، والصيام الذي لا يثمر تقوى القلب لم يبلغ تمام غايته، والذكر الذي لا يزيد صاحبه تواضعاً لله ورحمةً بخلقه يحتاج صاحبه إلى أن يراجع نفسه قبل أن يراجع عدد أذكاره.
ولهذا كان التدين الذي أراده الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم تديناً “نوعياً” قبل أن يكون “كمياً”؛ يهتم بكيفية العبادة قبل كثرتها، وبحضور القلب قبل حركة الجسد، وبصلاح المعاملة قبل كثرة المظاهر. فليس المطلوب أن يزداد الإنسان أعمالاً فحسب، وإنما أن تتحول تلك الأعمال إلى قوة تربوية تعيد تشكيل نفسه يوماً بعد يوم.
ولعل أخطر ما يهدد التدين أن يطمئن الإنسان إلى صلاحه، أو أن يرى نفسه قد بلغت منزلة تغنيه عن محاسبتها. فمن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو سيد الخَلق وأكملهم عبودية له، يدعو ربه قائلاً: “اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين”، فكيف يطمئن غيره إلى نفسه؟ ومن كان يحذر أمته من “مثقال ذرة من كبر”، فكيف يستهين أحد بما قد يختبئ في قلبه من عُجب أو استعلاء أو طلب للثناء؟
إن التدين الذي رسمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليس تديناً موسميّاً، ولا طقوساً تؤدى ثم تنتهي، بل هو يقظة دائمة، ومحاسبة لا تنقطع، وجهاد للنفس مستمر، وتواضع يتجدد في كل موقف، واستعانة بالله لا تنفك في كل لحظة. إنه تدين يجعل الإنسان منشغلاً بإصلاح نفسه أكثر من انشغاله بتقويم غيره، وبإخلاص عبادته أكثر من انشغاله بإظهارها، وبإتقان معاملاته مع الناس بقدر انشغاله بإقامة شعائره.
ولذلك يحق لنا أن نتأمل هذا الفارق الكبير بين التدين كما أراده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبين بعض الصور التي قد يقع فيها الناس؛ تدين يجعل القلب ميداناً للجهاد الأكبر، ويلاحق الكبر في أدق صوره، ويستعين بالله في كل لحظة، في مقابل تدين قد يكتفي أحياناً بالشكل الخارجي للأعمال، ويمنح الجوارح من العناية أكثر مما يمنح القلوب. وإذا كان الأول يصنع إنساناً يتغير من داخله، فإن الثاني قد يكتفي بإنتاج صورة متدينة لا تبلغ بالضرورة الغاية التي بعث الله بها رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهي تزكية النفوس وإصلاح الإنسان في باطنه قبل ظاهره.

أضف تعليق