
من بين أكثر المفاهيم التي شاع الحديث عنها في الخطاب الإسلامي، وربما أقلها تعرضاً لإعادة النظر، مفهوم القدر. فما من مسلم إلا وسمع منذ طفولته أن كل ما يقع في هذا الكون إنما يقع بقضاء الله وقدره، وأن على الإنسان أن يؤمن بالقدر خيره وشره. غير أن كثرة تداول هذا المفهوم لم تمنع من أن يبقى، في كثير من الأحيان، غامضاً أو مبتوراً، بل ربما أسهمت في ترسيخ صورة ذهنية لا تعكس تماماً ما يقدمه القرآن العظيم عن حقيقة القدر ووظيفته. فلقد اعتاد أكثر الناس أن ينظروا إلى القدر بوصفه “حدثاً”. فإذا أصيب الإنسان بمرض، قالوا: هذا قدر. وإذا خسر ماله، أو نال منصباً، أو تزوج، أو مات قريب له، قيل: كل هذا قدر. وكأن القدر ليس سوى الاسم الذي نطلقه على الوقائع بعد حدوثها، أو التفسير الذي نلجأ إليه حين نعجز عن تفسير أسبابها.
وقد تبدو هذه النظرة مقبولة في ظاهرها، لكنها تختزل مفهوماً قرآنياً بالغ العمق في مجرد سلسلة من الوقائع المتفرقة. فهي تجعل القدر نتيجة، بينما تشير آيات القرآن العظيم إلى أنه جزء من نظام سابق على النتائج نفسها. فالقرآن العظيم لا يقدم القدر بوصفه أحداثاً مبعثرة، بل بوصفه تقديراً. والتقدير ليس الحدث، وإنما النظام الذي يسبق الحدث ويمنحه موضعه ووظيفته وغايته. إنه البنية التي تجعل لكل شيء مقداراً، ولكل مرحلة توقيتها، ولكل إنسان مساره الخاص، بحيث لا يكون شيء مما يقع خارج الحكمة الإلهية.
وهنا يظهر الفرق بين أن ننظر إلى القدر باعتباره حادثة، وبين أن نفهمه باعتباره منهجاً. فالحدث ينتهي بمجرد وقوعه، أما المنهج فيستمر، ويربط الماضي بالحاضر والمستقبل في بناء واحد. ومن ثم فإن القدر، في التصور القرآني، لا يبدأ عند وقوع المصيبة، ولا ينتهي بزوالها، ولا يقتصر على لحظة النجاح أو الفشل، وإنما هو المسار الكامل الذي تسير فيه حياة الإنسان منذ ولادته وحتى لقائه بربه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: لماذا وقع هذا الحدث؟ بل: لماذا وُضِع هذا الحدث في هذا الموضع من حياة هذا الإنسان تحديداً؟ فالجواب عن السؤال الأول قد يقتصر على البحث عن الأسباب القريبة، أما الجواب عن السؤال الثاني فيقود إلى الغاية التي يؤديها الحدث داخل البناء الكلي للقدر.
ومن هنا أقترح إعادة تعريف القدر بأنه: المنهج الإلهي الذي تُنظَّم به حياة كل إنسان تنظيماً دقيقاً، بحيث تتتابع الأحداث والظروف واللقاءات والابتلاءات والنعم وفق ترتيب يكشف، على امتداد العمر، ما أودعه الله فيه من احتمالات كامنة. إن هذا التعريف ينقلنا من النظر إلى القدر باعتباره شيئاً يقع للإنسان، إلى النظر إليه باعتباره شيئاً يعمل في الإنسان. فالقدر لا يقتصر على تغيير الظروف الخارجية، بل يتمثل أثره الحقيقي في إخراج ما كان مستتراً في النفس إلى عالم الأفعال. ولهذا لا يكون المرض هو المقصود لذاته، ولا الفقر، ولا الغنى، ولا السلطة، ولا الضعف، ولا اللقاء، ولا الفراق، وإنما المقصود هو ما تكشفه هذه الأقدار من حقيقة الإنسان. فالإنسان يولد حاملاً في داخله إمكانات متعددة، لكنها تبقى احتمالات لا أكثر، ما لم تواجهها ظروف تستدعي ظهورها. فقد يحمل إنسان استعداداً عظيماً للعفو، لكنه لن يعرف نفسه عَفوُّاً حتى يتعرض لظلم يستطيع معه أن ينتقم. وقد يحمل آخر استعداداً للخيانة، لكنه لن يكتشف ذلك في نفسه إلا حين تتاح له فرصة لا يراه فيها أحد. وقد يظن ثالث أنه شديد الإيمان، حتى يبتلى بخوف عظيم، فيكتشف أن يقينه كان أضعف مما تصور.
وهكذا فإن الأحداث لا تصنع حقيقة الإنسان، وإنما تستخرجها. ومن هنا كان القدر أقرب إلى عملية كشف منه إلى عملية إنشاء. فالقدر لا يخلق الخير أو الشر في النفس، بل يهيء الظروف التي يظهر فيها الخير أو الشر الكامنان فيها. ولذلك فإن حياة الإنسان لا يمكن النظر إليها بوصفها سلسلة من المصادفات أو الوقائع المنعزلة، وإنما ينبغي أن تُقرأ بوصفها نصاً واحداً، تتكامل فصوله لتكوين صورة الإنسان التي أراد الله أن تظهر كاملة. وعند هذه النقطة يتبين أن القدر لا ينفصل عن الابتلاء، ولا عن الحرية، ولا عن المسؤولية، ولا عن الحساب. فالابتلاء هو الوسيلة التي يعمل بها القدر. والحرية هي التي تمنح الإنسان القدرة على أن يكشف بنفسه ما في داخله. والمسؤولية تنشأ لأن ما ظهر كان اختياراً حقيقياً لا فعلاً مفروضاً. أما الحساب، فهو النتيجة الطبيعية لرحلة طويلة لم يكن المقصود منها إلا أن تصبح حقيقة الإنسان كلها ظاهرة، فلا يبقى فيها ما يخفى على أحد.
ولهذا فإن الإيمان بالقدر لا يعني الاستسلام للأحداث، ولا تعليق كل شيء على القضاء، كما لا يعني الاعتقاد بأن المستقبل قد أصبح مسرحية يؤدي الإنسان فيها دوراً مفروضاً عليه. بل يعني الإيمان بأن الله تعالى يدير حياة كل إنسان بحكمة لا يحيط بها مخلوق، وأن كل ما يمر به يؤدي وظيفة محددة داخل مشروع إلهي أكبر، غايته أن يتحول الإنسان من كائن يحمل احتمالات متعددة إلى كائن أصبحت جميع تلك الاحتمالات فيه واقعاً مشهوداً.
وهكذا يتضح أن القدر، في القرآن، ليس مجرد حدث يُروى بعد وقوعه، وإنما هو منهج إلهي متصل، يبدأ قبل أن يعي الإنسان نفسه، ويستمر معه في كل لحظة من حياته، حتى يقف بين يدي الله وقد اكتملت رحلته، لا لأن عمره قد انتهى فحسب، بل لأن القدر قد أتم مهمته، فكشف الإنسان لنفسه، وكشفه لرب العالمين.
