توحش النفس الإنسانية ودوام البدائية

تحت قشرة رقيقة من القوانين الدولية، والمواثيق الإنسانية، وادعاءات “التمدن”، يقبع تاريخ طويل من السلوكيات التي لا يمكن وصفها إلا بالبدائية المفرطة في عدوانيتها. فلطالما تباهت الحضارة الغربية المعاصرة بـ “أنسنة” العالم وتجاوز العصور المظلمة، غير أن نظرة فاحصة على مصير رفات قادة المقاومة والشعوب الأصيلة تكشف أن العقل البشري وحده هو من تطور، في حين بقيت النفس الإنسانية أسيرة غرائزها الأولى، تنتهز الفرص لتعبر عن نزعة التوحش والسيطرة.
لم تكن سرقة جمجمة القائد الأسطوري لقبيلة الأباتشي، جيرونيمو، مجرد حادثة عابرة أو عبثاً اقترفه مجموعة من الطلاب المنتسبين لجمعية “الجمجمة والعظمتين” (Skull and Bones) السرية في جامعة ييل. إن نبش قبر محارب دافع عن أرضه وشعبه، والاحتفاظ بجمجمته داخل صندوق زجاجي كـ “تذكار” أو رمز للسيطرة، يعكس سيكولوجية استعمارية متجذرة لا تكتفي بهزيمة الخصم مادياً، بل تسعى لامتلاكه ورمزيته حتى بعد الموت. إنها رغبة بدائية في التهام قوة “الآخر” عبر احتجاز بقاياه.
فإذا كان السلوك الأمريكي في قضية جيرونيمو قد تم تحت غطاء جمعية نخبوية سرية، فإن الاستعمار الفرنسي قد جعل من هذا السلوك “المُنحرف” سياسة رسمية ومؤسساتية. ولم تكن باريس، التي تُسوق لنفسها كعاصمة للنور والحرية، سوى واجهة لـ “متحف الإنسان” (Musée de l’Homme) الذي تحول لعقود طويلة إلى مخزن لغنائم بشرية تثير القشعريرة.
• سليمان الحلبي: الشاب السوري الذي اغتال الجنرال الفرنسي “كليبر” في مصر، لم تكتفِ السلطات الاستعمارية بإعدامه بوحشية، بل نُقلت جمجمته إلى باريس لتعرض في المتحف مصنفةً تحت مسمى “جمجمة مجرم”!
• شهداء المقاومة الجزائرية: مئات الجماجم لبعض من أشهر قادة ومقاتلي المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي (أمثال الشريف بوبغلة والشيخ بوزيان) ظلت محتجزة في أدراج المتحف الفرنسي كرموز للنصر العسكري والتفوق العرقي، ولم يُسترد بعضها إلا بعد عقود من المفاوضات الشاقة.
عند المقارنة بين هذه السلوكيات الاستعمارية “الحديثة” وبين ما كان يُنسب تاريخياً للقبائل البدائية وغير المتحضرة في أحراش أفريقيا وغابات أمريكا الجنوبية من جمع لجماجم الأعداء والتمثيل بها، نكتشف أنه لا يوجد أي فرق جوهري على الإطلاق. إن الفارق الوحيد يكمن في الأدوات واللغة؛ فالقبيلة البدائية كانت تفعل ذلك مدفوعة بغريزة فطرية واضحة بلا مواربة، بينما يمارسه المستعمر الحديث خلف واجهات المتاحف والنظريات الأنثروبولوجية. وهنا تتجلى الحقيقة المرة: إن كلمات مثل الحضارة، والتمدن، والتحضر، ليست سوى شعارات جوفاء بلا معنى حقيقي حين يتعلق الأمر بالنزعات العميقة للنفس البشرية.
إن العقل البشري مرن وقابل للتطور؛ فقد ارتقى من التعامل البدائي مع الأدوات الحجرية والنار إلى إبداع التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي والمعادلات المعقدة التي تميز حضارتنا المعاصرة. أما النفس الإنسانية، فتبدو عصية على التهذيب، باقية على حالها البدائي المتوحش، راسخة في عدوانيتها، تنتظر فقط اللحظة التي يُرفع فيها الغطاء القانوني أو الأخلاقي لتظهر على حقيقتها المفرطة في التوحش، متوهمةً أن ارتقاء العقل يمكنه أن يستر عورة النفس البدائية.

أضف تعليق