نحو نظرية موحدة للظاهرة الإنسانية… هل يمكن ردُّ التشتت المعرفي إلى أصل واحد؟

من بين جميع الطموحات التي راودت العقل البشري، ربما لا يوجد طموح أكثر حضوراً من البحث عن الوحدة الكامنة وراء الكثرة. فمنذ أقدم العصور، لم يكتفِ الإنسان بوصف الظواهر كما تظهر له، بل حاول دائماً أن يكتشف المبدأ الذي يجمعها، والقانون الذي يفسرها، والأصل الذي تنبثق منه. ولهذا السبب لم يكن تقدم المعرفة مجرد زيادة في عدد المعلومات، بل كان، في كثير من الأحيان، انتقالاً من تفسير كل ظاهرة على حدة إلى اكتشاف أن ظواهر كثيرة تعود، في حقيقتها، إلى مبدأ واحد. فالفيزياء لم تبلغ نضجها حين كثرت قوانينها، وإنما حين بدأت توحد بينها. والكيمياء لم تتقدم لأنها اكتشفت عناصر جديدة فحسب، بل لأنها كشفت العلاقات التي تجمعها داخل نظام واحد. والأحياء لم تصبح علماً حديثاً بمجرد وصف الكائنات، بل حين ظهر الإطار الذي يربط بينها في تاريخ الحياة.
غير أن الإنسان ظل، إلى اليوم، استثناءً لافتاً. فقد انقسمت دراسته بين علوم كثيرة؛ فعلم النفس يدرس انفعالاته، والأنثروبولوجيا تدرس ثقافاته، والسوسيولوجيا تبحث في مجتمعاته، والفلسفة تتناول وعيه، والاقتصاد يحلل سلوكه الإنتاجي والاستهلاكي، والعلوم السياسية تفسر صراعاته، بينما يبحث علم الاجتماع الديني في تدينه، ويدرس الطب النفسي اضطراباته. وقد حققت هذه التخصصات إنجازات كبيرة، لكنها دفعت ثمناً لا يمكن تجاهله: فقد أصبح الإنسان موزعاً بين خرائط متعددة، دون أن يمتلك العلم حتى اليوم إطاراً موحداً يفسر لماذا ترتبط هذه الظواهر ببعضها أصلاً.
وهنا يبرز السؤال الذي حاولت سلسلة مقالات “الإنسان الذي لم يوجد قط” أن تقترب منه منذ بدايتها. هل من الممكن أن تكون هذه الظواهر، على اختلافها، ليست موضوعات مستقلة، وإنما نتائج مختلفة لتحول واحد؟ إن هذا السؤال لا ينطلق من الرغبة في تبسيط الواقع، ولا من الميل إلى اختزال الإنسان في تفسير واحد، بل من ملاحظة أن كثيراً من الظواهر الإنسانية تبدو، رغم تباعدها، وكأنها تشترك في بنية واحدة يصعب تجاهلها. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحول الإدراك إلى أسطورة. وهو الوحيد الذي يحول الانتماء إلى إيديولوجيا. وهو الوحيد الذي يحول الجنس إلى صناعة. وهو الوحيد الذي يحول العدوان إلى مؤسسات. وهو الوحيد الذي يحول الاقتصاد إلى تراكم لا يعرف الاكتفاء. وهو الوحيد الذي يحول الدين إلى مذاهب متصارعة. وهو الوحيد الذي يحول اللغة إلى فلسفة، والذاكرة إلى هوية، والخوف إلى قلق وجودي، والرغبة إلى مشروع حياة، والموت إلى سؤال لا ينتهي.
فهل يمكن أن تكون جميع هذه التحولات صادرة عن الأصل نفسه؟
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تجيب عن هذا السؤال بافتراض أن الإنسان شهد تحولاً لم يقتصر على زيادة في الذكاء أو اتساع في الدماغ، وإنما طال البنية الوظيفية للعقل ذاته. ومن هذا التحول نشأت ثلاثة فوائض مترابطة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. وهذه الفوائض، إذا نُظر إليها مجتمعة، لا تبدو مجرد خصائص منفصلة، بل منظومة متكاملة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبنفسه وبغيره. ففائض التمثّل أعاد تشكيل المعرفة. وفائض العدوان أعاد تشكيل المجتمع. وفائض الجنس أعاد تشكيل الرغبة. ومن تفاعل هذه المستويات الثلاثة ولد معظم ما نسميه اليوم “الظاهرة الإنسانية”.
ولعل هذه هي النقطة التي تجعل النظرية تتجاوز حدود التفسير الجزئي. فهي لا تبدأ بالحضارة لتفسرها، ولا بالدين، ولا بالحرب، ولا بالاقتصاد، ولا بالأخلاق، وإنما تبدأ بتحول واحد، ثم تتتبع كيف تتفرع منه هذه الظواهر كلها. وهذا يشبه، إلى حد بعيد، ما حدث في الفيزياء حين تبين أن ظواهر بدت متباعدة يمكن تفسيرها بقانون واحد. فلم تعد الكهرباء شيئاً، والمغناطيسية شيئاً آخر، بل أصبحا وجهين لمنظومة واحدة. وكذلك قد تكون الظاهرة الإنسانية. فالأسطورة، والعلم، والفلسفة، هي ليست عوالم منفصلة، بل هي تعبيرات مختلفة عن العقل التمثلي. والحرب، والاستغلال، والتعصب، والهيمنة، ليست ظواهر لا رابط بينها، بل هي صور مختلفة لفائض العدوان. والإباحية، والإدمان الجنسي، وتسليع الجسد، والهوس بالرغبة، هي ليست وقائع متفرقة، بل هي امتدادات لفائض الجنس.
ثم تأتي الحضارة لتكون المجال الذي تتفاعل فيه هذه الفوائض جميعاً، فتنتج أشكالاً أكثر تعقيداً من الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والقانون. ومن هنا قد يصبح التخصص، على ضرورته، عاجزاً عن رؤية الصورة الكاملة. فالطبيب النفسي يرى الاكتئاب. وعالم الاجتماع يرى المؤسسة. وعالِم الأنثروبولوجيا يرى الثقافة. والفيلسوف يرى الوعي. ولكن ما الذي يربط هذه الظواهر جميعاً؟
إن النظرية الموحدة لا تنكر أياً من هذه المستويات، لكنها تقترح أنها جميعاً فروع لشجرة واحدة. وهنا تظهر القيمة الدلالية لـ “الإنسان الذي لم يوجد قط”؛ فهذا الإنسان الافتراضي لا يؤدي وظيفة خيالية، بل وظيفة منهجية. إنه يمثل النموذج المرجعي الذي يسمح لنا بأن نسأل: ماذا كان سيبقى من هذه الظواهر لو لم تظهر الفوائض الثلاثة؟ هل كانت الحضارة ستتشكل بالصورة نفسها؟ وهل كانت الحروب العقائدية ستوجد؟ وهل كانت الإيديولوجيات ستظهر؟ وهل كان القلق الوجودي سيصبح جزءاً من التجربة اليومية؟ وهل كان الدين سيتحول إلى انقسامات مذهبية؟
كلما ازداد عدد الظواهر التي تعتمد في وجودها على هذه الفوائض، ازدادت قوة الفرضية التي ترى أنها تعود إلى أصل واحد. وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر منهجي بالغ الدلالة. فالنظرية الموحدة لا تعني أن كل ظاهرة لها سبب واحد مباشر. فالظواهر الإنسانية شديدة التعقيد، وتتأثر بالبيئة، والتاريخ، والاقتصاد، والثقافة، والوراثة، والتربية، والسياسة، والدين، وغير ذلك من العوامل. لكن وجود عوامل متعددة لا يمنع وجود بنية عميقة مشتركة. كما أن اختلاف الأمراض لا ينفي اشتراكها في آليات حيوية عامة، وكما أن تنوع اللغات لا ينفي اشتراكها في خصائص بنيوية، فإن تنوع الظواهر الإنسانية لا يمنع أن تكون لها جذور واحدة. وهذا هو المقصود بالنظرية الموحدة؛ إذ أنها لا تلغي التعقيد بل تفسره، ولا تختزل الإنسان، بل تحاول إعادة وصل ما فصلته التخصصات. ومن هنا تكتسب الميتابايولوجيا معناها الكامل. فهي ليست مجرد تخصص جديد، وإنما هي الإطار الذي يسمح بدراسة هذه الوحدة العميقة؛ فهي تجمع بين البايولوجيا، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، وفلسفة العقل، والإبستمولوجيا، وسوسيولوجيا الدين، لأنها تفترض أن الظاهرة التي تدرسها لا يمكن تقسيمها دون أن تفقد معناها.
ولعل الذكاء الاصطناعي يمنح هذا المشروع فرصة لم تكن متاحة من قبل. فنظرية موحدة بهذا الحجم لا يمكن اختبارها داخل تخصص واحد، ولا من خلال مجموعة محدودة من الوقائع. إنها تحتاج إلى دمج معارف قادمة من عشرات الحقول، وإلى بناء نماذج معقدة، واختبار علاقات لا يستطيع العقل البشري وحده أن يتتبعها بالكامل. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في تنظيم المعرفة، لا في إنتاج الحقيقة. لكنه مهما بلغت قدرته، فإنه لا يغني عن الشرط الأساسي لأي نظرية موحدة، وهو أن تكون قادرة على تفسير ظواهر أكثر بتناقضات أقل وباتساق أكبر، وهذا هو المعيار الحقيقي.
فالنظرية الموحدة لا تُقاس بجمالها، ولا بجرأتها، ولا بشمولها. بل تُقاس بقدرتها على أن تجعل ما كان يبدو متفرقاً جزءاً من صورة واحدة. وإذا كانت نظرية الانعطافة التطورية الأولى قادرة على أن تفسر، ضمن إطار واحد، نشأة الحضارة، وتاريخ التدين، والقلق الوجودي، والحرب، والإبداع، والاقتصاد الرمزي، والانقسام المذهبي، والاضطراب النفسي، والهوية، والأيديولوجيا، وغيرها من الظواهر التي بدت حتى اليوم مستقلة بعضها عن بعض، فإن قيمتها لن تكون في أنها تقدم تفسيراً جديداً لظاهرة بعينها، بل في أنها تقترح للمرة الأولى خريطة واحدة لفهم الإنسان. وقد تكون هذه هي الخطوة التي انتظرتها العلوم الإنسانية طويلاً. فبعد قرون من التخصص، قد يكون الوقت قد حان للعودة إلى السؤال الأول. فهذا السؤال هو ليس: كيف نفسر هذه الظاهرة أو تلك؟ وإنما: هل يمكن أن يكون الإنسان نفسه هو الظاهرة الواحدة التي كنا نجزئها طوال هذا الوقت؟ وربما إذا كان الجواب بالإيجاب، فإن المستقبل لن يشهد مجرد إضافة نظرية جديدة إلى مكتبة العلوم الإنسانية، بل قد يشهد بداية مرحلة تنتقل فيها دراسة الإنسان من علوم متعددة تتجاور، إلى رؤية واحدة تتكامل. وحينئذ لن يكون الإنجاز الأكبر لهذه النظرية أنها فسرت ظاهرة جديدة، بل أنها أعادت وصل الإنسان بنفسه، بعد أن ظل، زمناً طويلاً، موزعاً بين خرائط معرفية كثيرة، دون أن يمتلك خريطة واحدة تجمعها جميعاً.

أضف تعليق