
من بين أكثر العبارات تداولاً في النقاشات الفلسفية والمعرفية تلك العبارة التي تبدو، للوهلة الأولى، تعبيراً عن قدر كبير من التواضع الفكري: “الإنسان لا يستطيع معرفة الحقيقة”. وغالباً ما تُقال هذه العبارة اعتراضاً على كل مشروع فكري يعلن أنه يبحث عن الحقيقة، وكأن مجرد استخدام هذه الكلمة ينطوي على ادعاء امتلاك معرفة مطلقة لا يحق لكائن محدود كالإنسان أن يدعيها. فما أن يقول باحث إنه يحاول الوصول إلى حقيقة ظاهرة ما، أو إعادة النظر في تفسير مستقر لها، حتى ينبري له من يسأله: وأي حقيقة تقصد؟ ومن قال إن هناك حقيقة أصلاً؟ وحتى إن كانت موجودة، فمن أين لك ان تعرف أن الإنسان قادر على معرفتها؟ غير أن المشكلة تبدأ حين نُخضع هذا الاعتراض نفسه للمعيار الذي يطالبنا بإخضاع سائر الادعاءات له. فإذا كان الإنسان عاجزاً حقاً عن معرفة الحقيقة، فكيف عرف حقيقة عجزه عن معرفتها؟ وهنا تظهر مفارقة يمكن تسميتها “مفارقة استحالة الحقيقة”؛ وهي مفارقة لا تثبت أن الإنسان يستطيع معرفة كل حقيقة، ولا تمنحه حق الادعاء بالإحاطة المطلقة بالوجود، لكنها تكشف أن النفي الكلي لإمكان المعرفة يقع في مشكلة منطقية عميقة: فهو يحتاج لكي يكون صحيحاً إلى أن يستثني نفسه من الحكم الذي يقرره. ولنفترض أن شخصاً ما يقول: لا توجد حقيقة يستطيع الإنسان معرفتها. لدينا هنا احتمالان: إما أن تكون هذه العبارة نفسها حقيقة يمكن معرفتها، وعندئذ تكون قد نقضت نفسها؛ لأن الإنسان عرف، على الأقل، حقيقة واحدة، وهي أنه لا يستطيع معرفة الحقيقة. وإما أن تكون هذه العبارة غير قابلة للمعرفة، وعندئذ لا يملك قائلها أساساً معرفياً يجعله يجزم بصحتها. إنها، بهذا المعنى، أطروحة تواجه مشكلة ذاتية المرجع. فهي تحاول إصدار حكم شامل على جميع إمكانات المعرفة البشرية، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا إذا افترضت لنفسها معرفةً تتجاوز الحدود التي وضعتها للمعرفة. والأكثر دقة، لذلك، ليس أن نقول: “الإنسان لا يستطيع معرفة الحقيقة”، بل أن نقول: “الإنسان لا يستطيع بالضرورة معرفة كل الحقيقة، ولا نملك دليلاً على أن جميع الحقائق متاحة له”. والفرق بين العبارتين هائل. فالأولى تغلق باب المعرفة، أما الثانية فتحدد حدودها المحتملة من دون أن تنفي إمكانها. والأولى عدمية معرفية، أما الثانية فهي تواضع معرفي.
وهنا ينبغي التشديد على حقيقة مفادها أن جانباً كبيراً من الالتباس ينشأ جراء كوننا نتحدث عن «الحقيقة» وكأنها شيء واحد له وضع معرفي واحد. ولكن الحقائق ليست متساوية من حيث علاقتنا بها. فثمة حقيقة نعرفها، وحقيقة يمكن أن نعرفها لكننا لم نعرفها بعد، وحقيقة قد تكون موجودة ولكن بنيتنا المعرفية تحول دون الوصول إليها. وثمة، وفي مستوى مختلف تماماً، ما نصفه بأنه مستحيل أنطولوجياً؛ أي إن المشكلة فيه ليست أننا نجهله، بل أن شروط وجوده نفسها ممتنعة ضمن الإطار الذي نتحدث عنه. ومن هنا أقترح التمييز بين أربعة مستويات ينبغي ألا تختلط بعضها ببعض: الحقيقة القابلة للاكتشاف والحقيقة غير المكتشفة بعد والحقيقة المتعذرة معرفياً والحقيقة المستحيلة أنطولوجياً. وهذا التصنيف لا يتعلق بأنواع الحقيقة من حيث مضمونها، بقدر ما يتعلق بعلاقة الكائن العارف بها وإمكان الوصول إليها.
والآن، لنأخذ كلاً من هذه الحقائق الأربع بشيء من التفصيل:
أولاً: الحقيقة القابلة للاكتشاف
هذه هي الحقيقة التي توجد الأدوات والمناهج اللازمة، من حيث المبدأ، للوصول إليها والتحقق منها. فحين نسأل، مثلاً، عن تركيب مادة، أو عمر أحفورة، أو سبب ظاهرة فيزيائية قابلة للرصد، فإننا نكون أمام أسئلة يمكن بناء طرائق منهجية للإجابة عنها. فقد نخطئ وقد تتغير النتائج وقد تظهر أدوات أدق تصحح ما اعتقدناه سابقاً، لكن إمكانية الخطأ لا تعني استحالة المعرفة. وهذه نقطة بالغة الدلالة، فالمعرفة البشرية لا تصبح معرفة بمجرد أن تبلغ اليقين المطلق، ويمكن أن تكون لدينا معرفة قوية ومدعومة بالأدلة وقابلة للمراجعة في الوقت ذاته، بل أن قابلية المراجعة قد تكون من علامات قوتها، لأنها تعني أنها لا تحصّن نفسها ضد الاختبار.
إذاً فالحقيقة القابلة للاكتشاف هي التي تقع، من حيث المبدأ، داخل المجال الذي تستطيع أدواتنا المعرفية أن تعمل فيه.
ثانياً: الحقيقة غير المكتشفة بعد
وهذه الفئة أكثر إثارة للاهتمام. فثمة فرق جذري بين قولنا: “لا نعرف”، وقولنا: “لا يمكن أن نعرف”. فالجراثيم كانت موجودة قبل أن يراها الإنسان. وكانت المجرات موجودة قبل اختراع التلسكوبات الحديثة. وكانت البنية الجزيئية للوراثة تعمل في أجسام الكائنات قبل أن يعرف البشر شيئاً عنها. فالحقيقة لم تبدأ حين اكتشفناها، لكن الذي تغير هو علاقتنا المعرفية بها. وهنا ينبغي أن نتعلم درساً إبستمولوجياً بالغ الدلالة مفاده أن غياب الأداة لا يعني غياب الحقيقة. فقد تكون هناك حقائق تحيط بنا الآن، وربما تؤثر فينا تأثيراً عميقاً، لكننا لا نمتلك بعد المفهوم أو الجهاز أو المنهج الذي يسمح لنا برؤيتها. ولو أننا طبقنا منطقاً متشدداً يقول إن ما لا نستطيع إثباته بأدواتنا الحالية لا وجود له، لكان علينا أن ننكر بأثر رجعي وجود كل شيء اكتشفه العلم بعد أن ظل مجهولاً قروناً طويلة. وهذا غير معقول، فالتاريخ العلمي نفسه يعلمنا أن مساحة «المجهول» لا ينبغي أن تُخلط بمساحة “المستحيل”. فالخطأ الأكبر يتمثل في تحويل الجهل المؤقت إلى استحالة أبدية. وهنا يقع العقل البشري في واحدة من أخطر قفزاته الاستدلالية، فهو ينتقل أحياناً من: لا أملك دليلاً على وجود هذا الشيء، إلى: هذا الشيء غير موجود، ثم قد ينتقل خطوة أخرى إلى: هذا الشيء لا يمكن أن يوجد. وهذه ثلاث قضايا مختلفة تماماً. فعدم امتلاك الدليل حالة معرفية تخص الباحث، أما عدم الوجود فقضية تخص الواقع. وأما استحالة الوجود فهو حكم أنطولوجي أشد بكثير، لأنه لا يقول إن الشيء غير موجود فقط، بل يقول إن وجوده ممتنع أصلاً. ولا يجوز الانتقال من المستوى الأول إلى الثالث بلا برهان. فقولنا «لم نجد» ليس مرادفاً لقولنا “لا يوجد”، وقولنا «لا يوجد» ليس مرادفاً لقولنا “يستحيل أن يوجد”. وهذا التمييز، على بساطته، قد يكون واحداً من أهم الضوابط التي ينبغي أن تحكم أي بحث جاد في الإنسان والدين والوجود والظواهر التي لم تجد بعد تفسيراً نهائياً.
ثالثاً: الحقيقة المتعذرة معرفياً
لكن الاعتراف بإمكان المعرفة لا يعني الاعتقاد بأن كل شيء قابل للمعرفة. فقد توجد حقائق حقيقية تماماً، ومع ذلك يتعذر علينا الوصول إليها. وليس بالضرورة بسبب نقص مؤقت في التكنولوجيا. فقد يكون السبب متعلقاً ببنية الكائن العارف نفسه. فنحن لا نعرف العالم كما هو من موقع مطلق خارج الوجود، إنما نعرفه بواسطة جهاز عصبي محدد، وحواس محدودة، وعقل تشكل ضمن شروط معينة، ولغة تؤطر كثيراً من مفاهيمنا، وزمن قصير نعيش داخله. وهذا يفتح احتمالاً لا يمكن استبعاده بسهولة مفاده أنه توجد جوانب من الواقع تتجاوز البنية المعرفية التي يمتلكها الإنسان. ويمكن تقريب الفكرة بمثال بسيط: فثمة نطاقات من الإشعاع لا تراها العين البشرية مباشرة، لكنها موجودة. وقد استطعنا تجاوز هذا القيد جزئياً ببناء أجهزة تحول ما لا تدركه حواسنا إلى بيانات نستطيع التعامل معها. ولكن ماذا لو كانت هناك جوانب من الواقع لا نستطيع حتى بناء الأداة المفاهيمية اللازمة لتمثلها؟ وهنا لا يكون العجز تقنياً فقط، بل قد يصبح عجزاً معرفياً بنيوياً. ومع ذلك، فإنه ينبغي الحذر. فلا يجوز لنا أن نحول مجرد احتمال وجود حدود بنيوية إلى ذريعة لإعلان أن سؤالاً بعينه مستحيل المعرفة. فالقول بالاستحالة المعرفية يحتاج هو الآخر إلى حجة.
رابعاً: الحقيقة المستحيلة أنطولوجياً
أما المستوى الرابع فهو الأكثر دقة، لأنه يختلف عن المستويات السابقة اختلافاً نوعياً. فالحقيقة المتعذرة معرفياً قد تكون موجودة، لكننا لا نستطيع الوصول إليها. أما الاستحالة الأنطولوجية فتتعلق بما إذا كان الشيء أو الحالة التي نتحدث عنها يمكن أن توجد أصلاً ضمن شروط الوجود المفترضة. وهنا يجب التمييز بين سؤالين: هل الشيء موجود؟ و: هل يمكن للشيء أن يوجد؟ فقد نجهل الأول، أما الثاني فيتطلب بحثاً في شروط الإمكان ذاتها. ولهذا فإن وصف شيء بأنه «مستحيل أنطولوجياً» أشد بكثير من القول إننا لم نرصده أو لا نعرفه. فالاستحالة ليست مرادفاً للجهل، ولا ينبغي أن تتحول كلمة «مستحيل» إلى اسم آخر لما لم نفهمه بعد.
والآن، يمكننا إعادة بناء المسألة بصورة أكثر دقة. فحين نواجه ادعاءً ما عن الواقع، لا ينبغي أن نحصر أنفسنا في ثنائية ساذجة: إما نعرفه، وإما يستحيل معرفته. بل قد نكون أمام أربع حالات مختلفة:
الحالة الأولى: حقيقة نمتلك أدوات كافية لمعرفتها والتحقق منها.
الحالة الثانية: حقيقة قابلة للمعرفة من حيث المبدأ، لكن أدوات اكتشافها لم تتوافر بعد.
الحالة الثالثة: حقيقة موجودة، لكن الوصول إليها قد يتجاوز الحدود البنيوية لقدراتنا المعرفية.
الحالة الرابعة: أمر لا يتعلق بجهلنا أصلاً، بل باستحالة وجود ما يفترضه السؤال ضمن شروطه المحددة.
والمشكلة أن الإنسان كثيراً ما يضع الحالات الثلاث الأخيرة في صندوق واحد يسميه: “ما لا نعرفه”، ثم ينتقل من ذلك إلى: “ما لا يمكن معرفته”. ثم ربما ينتهي إلى: “ما لا يمكن أن يوجد”. وهكذا تتحول حدود المعرفة البشرية، من دون أن نشعر، إلى حدود مفترضة للوجود نفسه.
وهنا لابد من التجديد على حقيقة مفادها أن الإنسان ليس مقياساً لما يمكن أن يوجد. وهذه النقطة تكتسب دلالة بالغة. فحين يتعلق البحث بالإنسان والوجود، فثمة ميل عميق إلى افتراض أن ما يستطيع العقل البشري تصوره هو معيار “الممكن”، وأن ما يعجز عن تصوره “قريب من المستحيل”.
ولكن لماذا؟ وما البرهان على أن بنية عقل نوع واحد من الكائنات، ظهر في مرحلة محدودة من تاريخ الكون، ينبغي أن تكون المعيار النهائي لما يستطيع الوجود أن ينتجه؟
إن عجزنا عن تصور شيء لا يبرهن على استحالته. كما أن قدرتنا على تصور شيء لا تبرهن على وجوده. وهنا تظهر الحاجة إلى الفصل الصارم بين: “الممكن ذهنياً” و”الممكن معرفياً” و”الممكن أنطولوجياً” و”المتحقق فعلياً”. فالخلط بينها ينتج كثيراً من الأخطاء التي تتخفى أحياناً في صورة يقين فلسفي أو علمي.
ولكن قد يسأل البعض: “وما علاقة هذا بالحديث عن الإنسان والظاهرة الإنسانية؟
عندها أُجيب فأقول: عندما أبحث في الإنسان، وفي تاريخه التطوري، وفي الظواهر التي تميزه، وفي علاقته بالدين واللغة والتمثل والسلوك، فإنني لا أنطلق من ادعاء أنني امتلك «الحقيقة النهائية» عنه. بل أنطلق من سؤال مختلف: هل الأدوات التفسيرية التي نمتلكها اليوم كافية فعلاً لتفسير كل ما نراه؟ فإذا كان الجواب نعم، فينبغي إثبات ذلك. وإذا كان الجواب لا، فإن المجال يظل مفتوحاً لفرضيات أخرى.
وهنا يصبح البحث عن الحقيقة ليس ادعاءً بامتلاك اليقين، بل رفضاً لإغلاق السؤال قبل أوانه. إن القول بأن نظرية ما تفسر جانباً من الظاهرة لا يعني بالضرورة أنها تفسر الظاهرة كلها. كما وإن القول بأننا لا نملك الآن تفسيراً بديلاً مثبتاً، لا يجعل التفسير القائم حقيقة نهائية. فبين اليقين المطلق والجهل المطلق توجد مساحة هائلة اسمها: البحث، وفي هذه المساحة يعمل الفكر.
ثمة مبدأ ينبغي تثبيته هنا مفاده أن وجود الحقيقة شيء، وقدرتنا على الوصول إليها شيء آخر. فقد توجد حقيقة لا نعرفها، وقد توجد حقيقة لن نعرفها أبداً، لكن عدم معرفتنا بها لا يجعلها أقل حقيقة. فإذا وقع حدث في مكان لم يشهده أحد ولم يترك أثراً يمكن اكتشافه، فإن تعذر معرفتنا به لا يعني أن الحدث لم يقع. فالواقع لا ينتظر وعينا لكي يوجد.
وهذا يعني أن علينا التمييز بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا، فما يوجد ليس هو نفسه ما نعرف أنه يوجد، كما أن حدود المعرفة هي ليست بالضرورة حدود الواقع. وهذه واحدة من أهم النقاط التي تجعل البحث عن الحقيقة مشروعاً مفتوحاً دائماً. ولكن كيف نبحث عن حقيقة قد لا نستطيع بلوغها؟ قد يبدو هذا اعتراضاً معقولاً: فإذا كنا نقر بأن بعض الحقائق قد تكون متعذرة معرفياً، فلماذا نبحث عنها؟ الجواب بسيط: لأننا لا نعرف مسبقاً أين يقع هذا الحد، وهذه هي النقطة الحاسمة؛ إذ لا توجد أمام كل حقيقة لافتة تقول: “بالإمكان معرفتي”، وأمام أخرى: “يستحيل معرفتي”. فنحن نكتشف الحدود بمحاولة تجاوزها. ولو افترض الإنسان في كل عصر أن حدود معرفته الراهنة هي الحدود النهائية لما يمكن معرفته، لما تقدم العلم خطوة واحدة. فالبحث عن الحقيقة هو الذي يكشف الفرق بين المجهول المؤقت والمتعذر فعلاً. ولهذا فإن الفشل في الوصول إلى الحقيقة ليس حجة ضد البحث عنها. بل إن البحث هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها أن نعرف إن كان ما نجهله قابلاً للمعرفة أم لا.
وقد يظن بعضهم أن التواضع المعرفي يقتضي أن نتوقف عن الحديث عن الحقيقة. ولكنني أرى العكس. فالتواضع الحقيقي هو أن نقول: قد توجد حقيقة. وقد أكون مخطئاً بشأنها. وقد تكون أدواتي ناقصة. وقد يكون الإطار الذي أفكر داخله نفسه جزءاً من المشكلة. ولذلك سأستمر في البحث.
أما أن أقول: “لا يستطيع الإنسان معرفة الحقيقة”، ثم أجعل هذه العبارة نفسها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش، فليس تواضعاً معرفياً. إنه يقين متخفٍ في هيئة شك.
وهنا نعود إلى الاعتراض الذي بدأت منه المقالة السابقة والتي كان عنوانها (لماذا أكتب بلغة فلسفية، ولماذا أبحث عن الحقيقة؟): لماذا كل هذه الفلسفة؟ الجواب يتضح الآن أكثر؛ لأن سؤالاً مثل: “هل يستطيع الإنسان معرفة الحقيقة؟” لا يمكن حسمه بتجربة مختبرية واحدة؛ إذ أنه سؤال عن المعرفة نفسها، وعن حدود العقل، وعن العلاقة بين الواقع وتمثلنا له، وعن الفرق بين الوجود والمعرفة، وعن الممكن والمستحيل. أي إنه سؤال فلسفي بطبيعته.
وهنا لابد من التذكير بحقيقة مفادها أن بإمكاننا أن نحذف كلمات «إبستمولوجيا» و«أنطولوجيا» و«ميتافيزيقا» من النص، لكننا لا نستطيع حذف المشكلات التي تشير إليها هذه الكلمات. فحذف اسم المشكلة لا يحلها.
كنت قد ميزت ابتداءً بين حقيقتين: حقيقة يمكن الوصول إليها إذا توافرت الأدوات المعرفية اللازمة، وحقيقة يتعذر على الإنسان الوصول إليها بسبب حدود تتصل ببنيته أو بشروط الوجود. ولكن التدقيق يكشف أن هذا التقسيم الأولي يمكن تطويره إلى خريطة أكثر تفصيلاً: الحقيقة المكتشفة أو القابلة للتحقق تقع ضمن مجال أدواتنا المعرفية الفعلية، أما الحقيقة غير المكتشفة بعد فإنها موجودة أو محتملة الوجود، ويمكن من حيث المبدأ أن تصبح موضوعاً للمعرفة إذا ظهرت الأدوات المناسبة. أما الحقيقة المتعذرة معرفياً فإنها قد تكون موجودة، لكن بنية الإنسان أو شروط الرصد تحول دون الوصول إليها. أما الاستحالة الأنطولوجية، فإنها لا تتعلق بما نعرفه أو نجهله، بل بما إن كان الشيء المفترض قابلاً للوجود أصلاً ضمن الشروط التي تحدده.
وهذه الخريطة تمنعنا من ارتكاب خطأ بالغ الخطورة: أن نضع المجهول وغير المكتشف والمتعذر معرفياً والمستحيل وجودياً في خانة واحدة. فبين هذه المفاهيم مسافات معرفية هائلة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن أخطر ما يمكن أن يفعله العقل أن يجعل حدوده حدوداً للوجود.
إنني لا أبحث عن الحقيقة لأنني أزعم أنني أمتلكها.
وأنا لا أستخدم الفلسفة لأنني أريد أن أضفي على أفكاري غموضاً أو مهابة لغوية.
إنني أفعل الأمرين للسبب نفسه: لأنني أرفض أن أخلط بين حدود ما نعرفه وحدود ما يمكن أن يكون موجوداً. فقد نكون مخطئين، وقد تكون نظرياتنا ناقصة، وقد تكون بعض أسئلتنا نفسها مصاغة بطريقة خاطئة، وقد توجد حقائق لن نصل إليها أبداً. لكن شيئاً من ذلك لا يمنحنا الحق في إعلان أن الحقيقة غير موجودة، أو أن البحث عنها هو بلا معنى. فالقول: “لا أعرف” واحد من أكثر الأقوال عقلانية في تاريخ المعرفة، أما القول: “أنني لا أعرف، فلا يمكن أن يُعرف” فهو انتقال يحتاج إلى برهان. والقول: “لأنني لا أستطيع معرفته، فهو لا يمكن أن يوجد” هي قفزة أكبر وأخطر. وهنا تحديداً تكمن المهمة التي أرى أن الفلسفة ينبغي أن تؤديها والمتمثلة في انها لا تمنحنا أجوبة جاهزة، بل أن تمنعنا من تحويل جهلنا إلى يقين، وحدود أدواتنا إلى حدود للواقع، وعجزنا الراهن عن الفهم إلى قانون أبدي يحكم ما يستطيع الوجود أن يكونه. فربما لم تكن المشكلة الكبرى في تاريخ المعرفة هي أن الإنسان عرف أقل مما ينبغي، بل ربما كانت المشكلة، في أحيان كثيرة، هي أنه توهم أن حدود ما يستطيع معرفته في لحظة تاريخية معينة هي حدود الحقيقة ذاتها.
ومن هنا يبدأ البحث الحقيقي، وذلك ليس من ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا من إنكار إمكانها، بل من القدرة على قول: ثمة فرق بين ما لا أعرفه، وما لم أكتشفه بعد، وما قد يتعذر عليَّ معرفته، وما يستحيل أن يوجد.
وما لم نتعلم التمييز بين هذه الفئات الأربعة، فسوف نظل نخاطر بأن نسمي جهلنا فلسفة، وأن نسمي حدودنا حدوداً للوجود.
