الروح الرياضية… أحد أكثر الأوهام رسوخاً في الوعي الإنساني

من بين أكثر المفاهيم التي يتداولها الناس بثقة، حتى غدت أشبه بالمسلمات التي لا تحتاج إلى برهان، فكرةُ وجود ما يسمى بـ “الروح الرياضية”. فما إن تقع مشادة بين لاعبين، أو يخرج فريقٌ مهزوماً غاضباً، أو تشتعل المدرجات بالصراخ والتلاسن، حتى يتعالى صوت المعلقين والإعلاميين مطالبين الجميع بالتحلي بالروح الرياضية، وكأن هذه الروح حقيقة قائمة في الإنسان، وكل ما يحتاج إليه هو أن يستحضرها ساعة يشاء. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل توجد، حقاً، مثل هذه الروح؟ أم أننا أمام واحد من أكثر الأوهام رسوخاً في العقل البشري؟
ولعل الذي دعاني إلى العودة لهذا الموضوع، بعد أن سبق لي أن تناولته في مناسبات سابقة، هو النهاية المأساوية التي انتهت بها بطولة كأس العالم لعام 2026 بين إسبانيا والأرجنتين؛ إذ لم تنته المباراة بمجرد منافسة كروية محتدمة، وإنما تحولت في أكثر من محطة إلى تبادل للاعتداءات البدنية، وتشابك بالأيدي، وتلاسن حاد، ليس من العسير أن يتخيل المرء مضمونه. ولم تكن هذه الحوادث معزولة عن أجواء التوتر التي عمّت أرض الملعب، ولا عن حالة الاحتقان التي انعكست على الجماهير أيضاً. وهنا يبرز السؤال من جديد: عن أي روح رياضية يتحدثون؟
والحق أن هذه الحادثة ليست استثناءً، وإنما هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المشاهد التي شهدها العالم على امتداد العقود الماضية. فما أكثر البطولات التي انتهت باشتباكات جماعية بين اللاعبين، وما أكثر الجماهير التي حطمت المقاعد، وأحرقت الممتلكات، واعتدت على رجال الأمن، أو دخلت في مواجهات دامية مع جماهير الفريق المنافس. بل إن بعض المباريات تحولت إلى مآسٍ إنسانية راح ضحيتها قتلى وجرحى، وكأن الملعب لم يعد مكاناً لمنافسة رياضية، بل ساحةً تتجلى فيها أكثر غرائز الإنسان بدائية. ولو كانت الروح الرياضية حقيقةً مستقرة في النفس البشرية، لما احتجنا إلى تكرار الدعوة الى التحلي بها بعد كل مباراة! فالحقائق الراسخة لا تحتاج إلى تذكير دائم، أما ما يحتاج إلى التكرار المستمر، فغالباً لأنه لا يجد في الواقع ما يسنده. فنحن لا نطالب الإنسان، بعد كل مباراة، بأن يتذكر أن اثنين واثنين يساويان أربعة، لأن هذه حقيقة لا ينازع فيها أحد. أما مطالبة الجميع بالتحلي بالروح الرياضية في كل مناسبة، فهي في حد ذاتها اعتراف غير مباشر بأن هذه الروح لا تحكم السلوك الإنساني كما يتوهم الناس!
ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة تفسير الظاهرة من أساسها. فما يجري في الملاعب لا يكشف غياب الروح الرياضية فحسب، بل يكشف حضور قوة أخرى أشد رسوخاً وتأثيراً، وهي ما أسميه “فائض العدوان”. فالرياضة هي ،في ظاهرها، منافسة على إحراز الفوز، لكنها، في باطنها النفسي تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع أكثر غرائزه حساسية والمتمثلة في حب التفوق، وكراهية الهزيمة، والرغبة في إثبات الذات، والدفاع عن الكرامة، والانتصار للجماعة التي ينتمي إليها. وحين تتجمع هذه الدوافع في ظرف واحد، يصبح العدوان أقرب إلى الظهور من التسامح، وأقرب إلى الانفجار من الهدوء. ولهذا السبب، لا يقتصر الأمر على اللاعبين وحدهم، بل يمتد إلى الجماهير أيضاً، مع أنها لا تربح شيئاً مادياً من فوز فريقها، ولا تخسر شيئاً مباشراً من هزيمته. ومع ذلك، قد تبكي، أو تسب، أو تضرب، أو تُضرب، وكأن مصيرها الشخصي قد أصبح معلقاً بنتيجة مباراة لا تشارك فيها أصلاً. وهذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بمجرد الحماس الرياضي، وإنما تكشف عن مدى استعداد فائض العدوان لأن يتقمص أي هوية جماعية، فيجعل الإنسان يرى انتصار فريقه انتصاراً لذاته، وهزيمته إهانةً شخصية تستوجب الرد.
ومن اللافت أن الإنسان يطلق على الرياضة أوصافاً كثيرة من قبيل “اللعبة الجميلة”، و”الرسالة الإنسانية”، و”جسر المحبة بين الشعوب”، بينما يكشف الواقع، مرة بعد أخرى، أن هذه الصورة المثالية كثيراً ما تنهار عند أول احتكاك حقيقي بين الإرادات المتنافسة. فلو كانت الرياضة، بذاتها، تنتج روحاً رياضية لكان اللاعبون المحترفون، الذين قضوا أعمارهم في الملاعب أكثر الناس هدوءاً وضبطاً للنفس. غير أن الوقائع تثبت، في أحيان كثيرة العكس تماماً. ولا يعني هذا أن الرياضة هي شر في ذاتها، ولا أنها عاجزة عن تهذيب الإنسان أو تعليمه الانضباط والعمل الجماعي. وإنما يعني أن هذه الفوائد لا تنشأ تلقائياً من مجرد ممارسة الرياضة، بل هي نتاج تربية أخلاقية تسبقها أو ترافقها. أما الرياضة نفسها، فهي لا تلغي فائض العدوان، بل تمنحه ميداناً جديداً للتعبير عن نفسه، وقد تضبطه بالقوانين حيناً، لكنها لا تستأصله من جذوره.
ومن هنا فإن الخطأ الحقيقي لا يكمن في وقوع الشجارات داخل الملاعب، وإنما في استمرارنا في تفسيرها على أنها خروج استثنائي عن طبيعة الإنسان، بدلاً من أن ندرك أنها تكشف جانباً أصيلاً من هذه الطبيعة كما هي. فحين نفهم أن الإنسان يحمل في داخله فائضاً من العدوان، وأن هذا الفائض يبحث دائماً عن منافذ يتجلى من خلالها، سنغدو أقل دهشة أمام ما نراه في الملاعب، وأكثر اهتماماً بالبحث عن السبل التي تكبح هذا الفائض بدلاً من الاكتفاء بترديد شعار “الروح الرياضية”.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه من كل هذه الحوادث المتكررة. فليس المطلوب أن نستمر في ترديد شعار أثبت الواقع، مرة بعد أخرى، هشاشته، وإنما أن نواجه الحقيقة كما هي. فالرياضة لا تكشف عن وجود روح رياضية كامنة في الإنسان، بقدر ما تكشف عن الصراع الدائم بين قدرته على ضبط نفسه، وبين فائض العدوان الذي لا يكف عن محاولة فرض سلطانه عليه. وما دام هذا الفائض قائماً، فإن ما نسميه “الروح الرياضية” ستظل، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الأمنية الأخلاقية منها إلى الوصف الواقعي للطبيعة الإنسانية.

أضف تعليق