لماذا يستمتع الإنسان بوجود عدو له؟

من بين أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للتأمل، تلك الحقيقة التي تبدو، للوهلة الأولى، مناقضة لما يعلنه الإنسان عن نفسه. فهو لا يكف عن الحديث عن السلام، والمحبة، والتسامح، والتعايش، واحترام الآخر، حتى ليخيَّل إلى السامع أن البشرية لم تعرف هدفاً أسمى من القضاء على الكراهية والنزاع. غير أن المتأمل في الواقع البشري يخرج بانطباع مختلف تماماً؛ إذ يبدو أن الإنسان، كلما فقد عدواً، سارع إلى البحث عن عدو جديد، وكأن وجود الخصم ليس حالة استثنائية في حياته، بل حاجة نفسية لا يستقيم عالمه من دونها.
ولعل هذه الحقيقة تتجلى في كل مكان. فالدول التي تنتهي من حرب، لا تلبث أن تبدأ في رسم خرائط لصراعات جديدة. والأحزاب التي تُسقط خصومها، لا تلبث أن تنقسم على نفسها، فيصبح رفاق الأمس أعداء اليوم. والجماعات التي تتوحد لمواجهة خطر خارجي، ما إن يزول هذا الخطر حتى تبدأ الخلافات الداخلية بالظهور. بل إن الإنسان نفسه في حياته اليومية، إذا خلت حياته من خصومة حقيقية، وجدناه يصنع من أبسط الاختلافات معارك تستنزف أعصابه ووقته، وكأن السلام الداخلي نفسه أصبح عبئاً يصعب احتماله. ولو كان العداء مجرد رد فعل على وجود معتدٍ، لكان من المتوقع أن ينتهي بانتهاء سبب العدوان. غير أن ما نشهده يدل على شيء آخر؛ إذ كثيراً ما يسبق العدوَّ الحقيقي استعدادٌ داخلي لاستقباله، بل إن هذا الاستعداد هو الذي يدفع الإنسان، أحياناً، إلى تفسير المواقف المحايدة على أنها عدائية، وإلى تحويل المنافس إلى خصم، والخصم إلى عدو، والاختلاف العابر إلى معركة مصيرية.
وهنا ينبغي، في تقديري، أن نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها العدوان. فنحن اعتدنا أن نتصور أن الإنسان يعتدي لأنه قد أستُفز، أو لأنه ظُلم، أو لأنه دافع عن نفسه. وهذه الأسباب موجودة بلا شك، لكنها لا تفسر إلا جزءاً من الظاهرة. أما الجزء الآخر، والأكثر عمقاً، فيتمثل في أن الإنسان يحمل في داخله فائضاً من العدوان لا ينتظر دائماً سبباً خارجياً، بل يبحث بنفسه عن موضوع يتجه إليه. فالمشكلة ليست في وجود الأعداء، وإنما في أن النفس البشرية كثيراً ما تكون مهيأة لصناعة الأعداء.
ولعل هذا يفسر لنا لماذا يستطيع الإنسان أن يحول اختلافاً في الرأي، أو مباراة رياضية، أو منافسة مهنية، أو حتى نقاشاً عابراً على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مواجهة وجودية. فالموضوع الحقيقي ليس القضية نفسها، وإنما الطاقة العدوانية التي وجدت في تلك القضية منفذاً مناسباً للتعبير عن نفسها.
ومن اللافت أن الإنسان لا يكتفي بوجود العدو، بل يمنحه حجماً يتجاوز حقيقته بكثير. فهو يضخم أخطاءه، ويفسر كل تصرف يصدر عنه تفسيراً سلبياً، ويعيد قراءة الماضي كله على ضوء هذه العداوة، حتى يصبح العدو مركزاً يدور حوله التفكير والانفعال والتخطيط. وهكذا يتحول الخصم إلى عنصر أساسي في تشكيل الهوية، حتى إن بعض الناس لا يعرفون أنفسهم إلا من خلال من يعادون.
ومن هنا نفهم لماذا تنهار بعض الجماعات بعد انتصارها. فهي لم تكن متماسكة بسبب اتفاقها على مشروع مشترك، بل بسبب اتفاقها على كراهية مشتركة لعدو خارجي. فما إن اختفى هذا العدو الخارجي، حتى انكشف الفراغ الداخلي، وبدأ كل فريق يبحث عن عدو جديد، حتى لو كان من أقرب الناس إليه. ولهذا كثيراً ما تلتهم الثورات أبناءها، وتتفكك الأحزاب بعد وصولها إلى السلطة، وتنقسم الجماعات التي ظلت سنوات طويلة تتحدث عن الوحدة. وهذا يكشف أن العدو، في كثير من الأحيان، لا يكون مجرد خطر ينبغي دفعه، بل يصبح وسيلةً تمنح الإنسان شعوراً بالمعنى، وتبرر له غضبه، وتجمع حوله الأنصار، وتمنحه إحساساً بالتفوق الأخلاقي. ولذلك فإن التخلي عن العدو قد يبدو لبعض النفوس أصعب من التخلي عن كثير من المكاسب الأخرى؛ لأنه يعني التخلي عن جزء من الصورة التي رسمها الإنسان لنفسه.
وهنا تتجلى خطورة فائض العدوان؛ فهو لا يكتفي بأن يدفع الإنسان إلى القتال، بل يجعله يشعر بالحاجة إلى استمرار وجود من يقاتله. ولهذا لا تنتهي الخصومات دائماً بانتهاء أسبابها، بل قد تستمر لأنها أصبحت تلبي حاجة داخلية لم يعد صاحبها يشعر بها. ولا يعني هذا أن كل عداوة هو وهم، ولا أن كل خصم مختلق. فالإنسان قد يواجه في حياته ظالماً أو معتدياً أو منافقاً أو عدواً حقيقياً. لكن الفرق كبير بين من يواجه عدواً اضطراراً، وبين من يحتاج إلى وجود عدو ليشعر بأنه موجود. فالأول يتمنى أن تزول العداوة بزوال سببها، أما الثاني فإنه، إذا فقد عدوه، بدأ يبحث عن بديل.
ومن هنا، فإن أحد أهم معايير النضج الروحي للإنسان لا يتجلى في قدرته على هزيمة خصومه، بل يتجلى في قدرته على ألا يجعل وجوده النفسي معلقاً بوجودهم. فالصالحون يعرفون كيف يدافعون عن الحق عند الحاجة، لكنهم لا يعيشون على الكراهية، ولا يجعلون العداء وقوداً دائماً لحياتهم. أما النفوس التي استسلمت لفائض العدوان، فإنها لا تكاد تفرغ من خصومة حتى تبدأ في صناعة خصومة أخرى، لأنها أصبحت أسيرة قوة داخلية لا تهدأ إلا إذا وجدت من تصب عليه غضبها.
ولعل هذا هو أحد أكثر الأسرار إيلاماً في الطبيعة الإنسانية؛ فالإنسان لا يعاني من كثرة أعدائه بقدر ما يعاني، في كثير من الأحيان، من حاجته إلى أن يكون له أعداء. وما لم يدرك الانسان هذه الحقيقة، فسيظل يظن أن مشكلته تكمن دائماً في الآخرين، بينما يكون خصمه الأول كامناً في داخله، متمثلاً في فائض العدوان الذي لا يكف عن البحث عن معركة جديدة.

أضف تعليق