
من بين أكثر الآيات التي استوقفت المفسرين عبر القرون قول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وقد انصرف معظم البحث التفسيري إلى محاولة بيان المقصود بالمحكم والمتشابه، وما الذي يجعل هذه الآية محكمة وتلك متشابهة، وما الحدود الفاصلة بين القسمين. غير أن التأمل في تتمة الآية نفسها قد يفتح باباً آخر للنظر، باباً قد يكون أكثر اتصالاً للغاية التي من أجلها ذكر الله تعالى هذا التقسيم أصلاً. فالآية لا تكتفي بذكر وجود المحكم والمتشابه، وإنما تنتقل مباشرة إلى الحديث عن نوعين من البشر: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، ثم ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وكأن القرآن لا يريد من القارئ أن يقف عند تصنيف الآيات، وإنما أن ينتبه إلى أن هذا التصنيف نفسه قد وُضع ليُظهر تصنيفاً آخر ذي دلالة بالغة، وهو تصنيف القلوب. ولو كان المقصود مجرد إخبار الناس بأن في القرآن آيات واضحة وأخرى تحتاج إلى مزيد من التدبر، لما كان ثمة ضرورة لهذا التفصيل الذي يربط المتشابه مباشرة بزَيْغ القلب، ثم يربطه في المقابل بالراسخين في العلم. فالسياق كله يوحي بأن وجود المتشابه ليس أمراً عارضاً، ولا نقصاً في البيان، وإنما هو جزء من منهج إلهي مقصود في التعامل مع الإنسان.
ولو افترضنا، جدلاً، أن القرآن كله جاء على صورة واحدة من الإحكام الذي لا يثير عند أحد سؤالاً ولا يفتح باباً للتأويل، فكيف كان سيظهر الذين في قلوبهم زيغ؟ وكيف كان سيتميز من يسلّم لله عن مَن يجعل عقله حكماً على الوحي؟ وكيف كان سيُعرف من يقف عند حدود ما علم، ممن يتبع ما تشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله؟
وهنا يغدو المتشابه ليس مشكلةً تحتاج إلى حل، بل وسيلةً إلهية لتحقيق غاية تربوية ومعرفية وأخلاقية، هي كشف حقيقة الإنسان أمام نفسه، وتمييز منطلقه الداخلي في تلقي الوحي.
وهذه المقاربة لا تبدو بعيدة عن السنن القرآنية العامة، بل تنسجم مع آيات كثيرة تجعل الابتلاء وسيلةً لإظهار ما استقر في النفوس، لا لإيجاد ما لم يكن فيها. فالقرآن يكرر الحديث عن التمحيص، وعن تمييز الخبيث من الطيب، وعن ليعلم الله الذين آمنوا، وعن الابتلاء الذي يكشف حقائق القلوب للناس، مع أن الله سبحانه وتعالى يعلمها أزلاً. فالعلم الإلهي ليس هو المقصود بهذه الاختبارات، وإنما المقصود أن تظهر الحقيقة في عالم الشهادة، وأن يصبح الإنسان شاهداً على نفسه.
وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى المحكم والمتشابه باعتبارهما جزءاً من منظومة التمحيص نفسها. فكما يبتلي الله الناس بالأموال، وبالخوف، وبالنصر والهزيمة، فإنه يبتليهم كذلك بطريقة تلقيهم للوحي. فالابتلاء ليس دائماً بالأحداث، وإنما قد يكون بالأفكار أيضاً.
ومن اللافت أن القرآن لا يصف أصحاب الزيغ بأنهم يبحثون عن الحق، وإنما يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. فهم لا يقفون عند المتشابه طلباً للهداية، وإنما يجعلونه مادةً لتأكيد ما استقر في نفوسهم سلفاً. ولذلك جاءت الغاية مباشرة: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.
وهنا تتجلى إحدى أكثر الظواهر الإنسانية عمقاً، وهي أن الإنسان لا يقرأ النص دائماً ليعرف الحقيقة، بل كثيراً ما يقرأه ليبرر ما يريد أن يؤمن به أصلاً. فالذين زاغت قلوبهم لا يصنع المتشابه زيغهم، وإنما يكشفه ويمنحه المبررات التي كانوا يبحثون عنها.
ومن هذا المنظور يمكن فهم قول الكافرين في مواضع أخرى من القرآن: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. فالسؤال في ذاته ليس مذموماً، وإنما المذموم هو الحالة النفسية التي يصدر عنها. فالقرآن نفسه يدعو إلى التدبر والتفكُر والتساؤل، غير أن التدبر شيء، والبحث عن منافذ للارتياب شيء آخر. ولذلك يعقب القرآن بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، ليؤكد أن النص الواحد لا يصنع الاستجابة نفسها عند جميع الناس، وإنما يكشف ما تحمله القلوب من استعداد سابق.
ومن هنا أيضاً يمكن أن نفهم لماذا يقول الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. فهم لا يدّعون الإحاطة بكل الحكمة الكامنة وراء كل متشابه، ولا يجعلون حدود فهمهم معياراً للحكم على الوحي، وإنما ينطلقون من أصلٍ معرفي سابق قوامه الثقة بالله وبحكمته. ولهذا لا يتحول ما لم يتضح لهم إلى سبب للشك، بل إلى باعث على مزيد من التدبر والتواضع العلمي.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن المتشابه يؤدي وظيفة مزدوجة. فهو، من جهة، يمتحن المنافق الذي يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر، فيجد فيه ما يوافق هواه ويمنحه الذرائع التي يتشبث بها ليزداد بعداً عن الحق. وهو، من جهة أخرى، يكشف حقيقة من يظن نفسه مؤمناً راسخاً، فإذا به عند أول موضع لا ينسجم مع تصوراته السابقة يبدأ في الارتياب، ويجعل محدودية إدراكه مقياساً لما يجوز أن يكون من عند الله وما لا يجوز.
وهنا تظهر، في ضوء نظرية فائض التمثل، آلية إضافية لفهم هذا الامتحان. ففائض التمثل لا يكتفي بإنتاج التصورات، بل يدفع الإنسان إلى الانقياد لها حتى تصبح هي المرجع الذي يحاكم به النص الإلهي نفسه. وبدلاً من أن يُخضع التصور للوحي، يُخضع النص للتصور. وعند هذه اللحظة تبدأ سلسلة طويلة من الأسئلة التي لا يكون هدفها الفهم، وإنما الانتصار للتمثلات السابقة. وكلما ازداد الإنسان استجابة لهذه الآلية، ازداد الشك رسوخاً في قلبه، حتى يبلغ الحال ببعضهم أن يُظهر الإيمان بلسانه، بينما يكون قلبه قد استقر على غير ذلك، فتتحقق فيه حقيقة النفاق التي كشفها القرآن.
ولعل هذا هو أحد أوجه الإعجاز التربوي في القرآن الكريم؛ فهو لا يكتفي بأن يخاطب الإنسان، بل يجعل طريقة استجابة الإنسان له جزءاً من مضمون الرسالة نفسها. فالقرآن ليس كتاباً يختبر مقدار الذكاء، بقدر ما يختبر صدق القلب، وليس المقصود من المتشابه أن يوقع الناس في الحيرة، وإنما أن يُظهر من يدخل إلى الوحي طالباً للهداية، ممن يدخل إليه طالباً لتبرير ما استقر في نفسه من هوى أو شك. وعندئذ يغدو السؤال الحقيقي ليس: لماذا جعل الله في القرآن آيات متشابهات؟ بل: لماذا جعل الإنسان من المتشابه طريقاً إلى الفتنة، بينما جعله المؤمن الصادق طريقاً إلى مزيد من الإيمان؟ ولعل الجواب يكمن في أن المتشابه لم يُنزَّل ليكشف غموض النص، وإنما ليكشف وضوح القلوب أو زيغها. فربما لم يكن التقسيم بين المحكم والمتشابه موجهاً إلى الآيات وحدها، وإنما كان، في جوهره، وسيلةً إلهية لتصنيف البشر أنفسهم.
