ما بعد التخصص الدقيق… هل تقف العلوم الإنسانية اليوم على أعتاب ثورة معرفية جديدة؟

من بين أكثر السمات التي ميزت تطور المعرفة المعاصرة، تلك النزعة المتزايدة نحو التخصص. فكلما اتسعت المعرفة، ازداد ميل العلماء إلى تقسيمها إلى حقول أصغر فأصغر، حتى غدا الإنسان الواحد موضوعاً لعشرات العلوم المستقلة. فهناك من يدرسه بوصفه جسماً، وآخر بوصفه دماغاً، وثالث بوصفه نفساً، ورابع بوصفه كائناً اجتماعياً، وخامس بوصفه منتجاً للثقافة، وسادس بوصفه فاعلاً اقتصادياً أو سياسياً أو دينياً. وقد كان لهذا التخصص فضل لا يمكن إنكاره، إذ أتاح لكل علم أن يتعمق في مجاله، وأن يطور أدواته ومناهجه حتى بلغت الدقة التي نراها اليوم.
غير أن كل إنجاز كبير يحمل معه، في العادة، ثمناً خفياً. فكلما ازداد التخصص دقة، ازداد خطر أن تضيع الصورة الكلية. فلقد أصبح كل علم يرى الإنسان من نافذة خاصة، حتى بدا وكأن كل نافذة تعرض كائناً مختلفاً. فالطبيب النفسي يتحدث عن الإنسان بلغة الاضطرابات والانفعالات، وعالم الاجتماع يراه من خلال البنى والمؤسسات، والاقتصادي يفسره بالحوافز والمصالح، وعالم الأعصاب يختزل كثيراً من ظواهره في الشبكات العصبية، بينما ينظر الفيلسوف إلى الوعي والمعنى، ويركز عالِم الأنثروبولوجيا على الثقافة والرموز. وجميع هذه الصور صحيحة في حدودها. لكن هل الإنسان نفسه مجزأ إلى هذا الحد؟
إن السؤال ليس جديداً، لكن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تمنحه بعداً مختلفاً. فإذا كانت هذه النظرية محقة في أن تحولاً واحداً في التاريخ التطوري للإنسان قد أفضى إلى سلسلة واسعة من التحولات النفسية والاجتماعية والحضارية، فإن كثيراً من الحدود التي تفصل اليوم بين العلوم قد تكون حدوداً منهجية أكثر منها حدوداً في الواقع نفسه.
فالإنسان لا يعيش بوصفه مجموعة تخصصات؛ إذ أنه لا يستيقظ في الصباح بوصفه موضوعاً لعلم النفس، ثم يتحول ظهراً إلى موضوع لعلم الاجتماع، ثم يصبح مساءً موضوعاً للفلسفة أو للاقتصاد. إن هذه التقسيمات ضرورية للبحث، لكنها لا تعني أن الظاهرة الإنسانية نفسها مقسمة بالطريقة ذاتها! ومن هنا يبرز سؤال قد يكون من أهم أسئلة المستقبل العلمي: هل بلغت العلوم الإنسانية مرحلة يصبح فيها استمرار التقدم مشروطاً بإعادة وصل ما فصلته قرون من التخصص؟
إن تاريخ العلوم يقدم لنا سوابق كثيرة لمثل هذا التحول. فالفيزياء لم تتقدم فقط بتقسيم الظواهر، بل أيضاً بتوحيدها. والكيمياء لم تنضج حين كثرت جداولها، بل حين اكتشفت النظام الدوري الذي جمع عناصرها في إطار واحد. وعلم الأحياء لم يصبح علماً حديثاً إلا عندما ربط بين التنوع الهائل للكائنات داخل نظرية تطورية عامة. أما العلوم الإنسانية، فما تزال، إلى حد بعيد، تتحرك في الاتجاه المعاكس. فهي تزداد تخصصاً، لكنها لا تمتلك حتى اليوم إطاراً موحداً يربط بين نتائج هذه التخصصات. ولعل السبب في ذلك أن الإنسان نفسه كان يبدو أكثر تعقيداً من أن يُرد إلى مبدأ جامع.
غير أن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تقترح احتمالاً مختلفاً. فإذا كان فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس، يمثلون ثلاث نتائج مترابطة لتحول واحد، فإن كثيراً من الظواهر التي توزعتها التخصصات قد تكون، في حقيقتها، مظاهر متعددة للبنية نفسها. فالاقتصاد لا ينفصل عن الرغبة. والرغبة لا تنفصل عن النفس. والنفس لا تنفصل عن الإدراك. والإدراك لا ينفصل عن التمثّل. والتمثّل لا ينفصل عن الحضارة. والحضارة لا تنفصل عن الدين والسياسة والأخلاق. وعندئذ لا يعود السؤال: أي علم يفسر الإنسان؟ بل: كيف يمكن لهذه العلوم أن تتكامل حول الإنسان؟
وهنا تبرز الميتابايولوجيا بوصفها محاولة للإجابة عن هذا السؤال. فهي لا تطالب بإلغاء التخصصات، لأن ذلك سيكون تراجعاً معرفياً، وإنما تدعو إلى إنشاء مستوى أعلى من التكامل، يعمل فوق هذه التخصصات، ويعيد ربط نتائجها داخل إطار نظري واحد. وهذا يشبه ما يحدث في كثير من العلوم الطبيعية. فالباحث في الكيمياء لا يلغي الفيزياء، لكنه يستفيد منها. وعالم الأحياء لا يستغني عن الكيمياء، لكنه لا يذوب فيها. وكذلك يمكن للميتابايولوجيا أن تستفيد من علم النفس، والأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، وعلم الأعصاب، والاقتصاد السلوكي، وفلسفة العقل، دون أن تذوب في أي واحد منها؛ فهي لا تضيف تخصصاً جديداً إلى قائمة التخصصات فحسب، ولكنها تضيف مستوى جديداً من التفكير.
ومن هنا قد يصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في هذا التحول. فالمشكلة الكبرى لم تعد نقص المعلومات، بل كثرتها. فلقد أصبح كل تخصص ينتج من البيانات ما يفوق قدرة أي باحث على استيعابه. وأصبح التحدي الحقيقي هو اكتشاف العلاقات بين هذه الجزر المعرفية. وهذا هو المجال الذي قد يحدث فيه الذكاء الاصطناعي تحولاً تاريخياً. فهو لا يكتفي بتحليل البيانات داخل تخصص واحد، بل يستطيع أن يبحث عن الأنماط المشتركة بين تخصصات متباعدة، وأن يكشف علاقات لم يكن من السهل ملاحظتها بالوسائل التقليدية. لكن حتى هذا التحول لن يكون كافياً. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح أنماطاً، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحها معناها. فالمعنى يظل مهمة العقل البشري. ولهذا فإن مستقبل العلوم الإنسانية لن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على ظهور أطر نظرية قادرة على استثمار هذه التكنولوجيا.
ولعل هذا هو الدور الذي يمكن أن تؤديه نظرية الانعطافة التطورية الأولى. فهي لا تقدم نفسها بوصفها بديلاً عن علوم الإنسان، بل بوصفها لغة مشتركة يمكن لهذه العلوم أن تتحاور من خلالها. وهذا يقود إلى تحول آخر لا يقل قيمة دلالية. فإذا أصبحت الظاهرة الإنسانية تُدرس داخل إطار موحد، فإن الحدود التقليدية بين “العلوم الطبيعية” و”العلوم الإنسانية” قد تبدأ هي الأخرى في التراجع. فالإنسان ليس كياناً منفصلاً عن ثقافته. كما أنه ليس ثقافة منفصلة عن دماغه. وهو ليس أيضاً دماغاً منفصلاً عن تاريخه التطوري، ولا تاريخاً تطورياً منفصلاً عن حضارته. ومن ثم فإن الفصل الحاد بين الطبيعة والثقافة، وبين البيولوجيا والمجتمع، قد يكون هو نفسه أحد آثار التجزئة المنهجية التي فرضها تاريخ المعرفة.
وهنا تكتسب هذه المقالة معناها الحقيقي؛ فهي لا تتنبأ بانتهاء التخصصات، بل بانتهاء عزلتها بعضها عن بعض. ولا تدعو إلى إنشاء علم واحد يبتلع سائر العلوم، بل إلى بناء شبكة معرفية تتحدث فيها العلوم المختلفة عن الإنسان بلغة يمكن لكل منها أن يفهمها. وربما يكون هذا هو التحدي المعرفي الأكبر للقرن الحادي والعشرين. فبعد أن نجحت البشرية نجاحاً باهراً في تحليل الإنسان إلى مكوناته، قد يكون الوقت قد حان لمحاولة تركيبه من جديد.
ولعل هذا هو ما يجعل نظرية الانعطافة التطورية الأولى، إذا ثبتت قدرتها التفسيرية، أكثر من مجرد فرضية في أصل الإنسان. فهذه النظرية قد تصبح مشروعاً لإعادة تنظيم المعرفة الإنسانية نفسها. وحينئذ لن تكون الثورة الحقيقية في اكتشاف معلومة جديدة عن الإنسان، بل في اكتشاف أن جميع المعلومات التي جمعناها عنه طوال القرون الماضية كانت تنتظر إطاراً واحداً يجمعها. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لعبارة “ما بعد التخصص الدقيق”. فليس المقصود بهذه العبارة نهاية العلوم، بل بداية الحوار الحقيقي بينها. وليس المقصود بها إزالة الحدود بين الحقول المعرفية، بل جعل هذه الحدود جسوراً للعبور بدلاً من أن تبقى جدراناً للفصل. وعندئذ قد لا يكون المستقبل هو عصر العلم المتخصص فحسب، بل عصر العلم المتكامل؛ ذلك العلم الذي لا يكتفي بأن يعرف الإنسان في أجزائه، بل يسعى للمرة الأولى منذ زمن طويل إلى أن يفهمه في وحدته.

أضف تعليق