
من بين أكثر الثنائيات رسوخاً في الوعي الإنساني، تلك الثنائية التي تقسم العالم إلى قسمين متقابلين: عالم طبيعي يخضع للقوانين، وعالم خارق يتجاوزها. وقد ترسخ هذا التصور حتى غدا أشبه بالبديهة التي لا تحتاج إلى برهان؛ فما وافق ما ألفناه سُمي طبيعياً، وما جاوزه سُمي خارقاً. غير أن السؤال الذي قلما يُطرح هو: هل هذان الوصفان يعبران حقاً عن طبيعة الوجود نفسه، أم أنهما يعبران عن المرحلة التي بلغتها معرفتنا بهذا الوجود؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً لأول وهلة، لكنه يمس أحد أكثر الافتراضات رسوخاً في نظرية المعرفة. فنحن نتحدث عن “الطبيعة” كما لو كنا نحيط بها إحاطة كاملة، ثم نصف كل ما لا ينسجم مع نموذجنا الحالي بأنه “خارق للطبيعة”. غير أن هذا الوصف ينطوي، من حيث لا نشعر، على افتراض بالغ الجرأة مفاده أن ما نعرفه عن الطبيعة يكفي لكي نجعل منه معياراً للحكم على كل ما يمكن أن يوجد.
وهنا تبدأ المشكلة. فالإنسان لم يعرف الطبيعة دفعة واحدة، وإنما عرفها على مراحل متعاقبة، وكل مرحلة كانت تعيد تعريف ما يعد طبيعياً. فما كان يبدو، في زمن مضى، خروجاً على نظام الكون أصبح لاحقاً مثالاً على انتظامه. ولم يكن السبب أن الكون قد تبدل، بل لأن المعرفة البشرية قد اتسعت. فلقد كان سقوط الأجسام، وحركة الكواكب، وانتقال الأمراض، والكهرباء، والمغناطيسية، والأشعة غير المرئية، وأمواج الراديو، والميكروبات، جميعها، في مراحل مختلفة من التاريخ، أموراً غامضة أو مدهشة أو غير قابلة للتفسير. وما إن تطورت أدوات الملاحظة والنظر حتى انتقلت هذه الظواهر من دائرة المجهول إلى دائرة المعلوم، ومن خانة الاستثناء إلى خانة القانون. فالذي تغير لم يكن الواقع، وإنما حدود المعرفة.
ومن هنا فإن التأمل الفلسفي يدعونا إلى إعادة النظر في معنى “الخارق”. فربما لا يكون الخارق اسماً لما يخرق الطبيعة، بل اسماً لما يخرق نموذجنا الحالي عنها. وربما لا يكون وصفاً للوجود، بل وصفاً لحالتنا المعرفية ونحن نحاول فهم ذلك الوجود.
وهذا التمييز ليس ترفاً فلسفياً، بل يترتب عليه تحول عميق في طريقة التفكير. فإذا كان الخارق وصفاً للواقع، فإن كل ظاهرة توصف بهذه الصفة تكون، من حيث المبدأ، نقضاً لقوانين الطبيعة. أما إذا كان الخارق وصفاً للمعرفة، فإن الظاهرة لا تكون قد خرقت الطبيعة، وإنما كشفت أن فهمنا للطبيعة كان ناقصاً. فالواقع لا يحتاج إلى أن يخالف نفسه حتى يدهشنا؛ يكفي أن يتجاوز توقعاتنا.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل تاريخ العلم، في جوهره، تاريخاً لإعادة تعريف الطبيعي، لا تاريخاً للقضاء على الخارق. فما أن تُفهم ظاهرة جديدة حتى تتسع الطبيعة لتستوعبها، وكأن حدودها تتحرك مع اتساع المعرفة.
لكن هذه الحقيقة تثير سؤالاً أكثر عمقاً مفاده: إذا كان الطبيعي يتسع باستمرار، فهل يمكن أن نحدد، من حيث المبدأ، حداً نهائياً له؟ وهل يملك الإنسان، وهو الذي يعترف بأن معرفته بالعالم لا تزال جزئية، الحق في أن يقرر أن كل ما يقع خارج نموذجه الحالي مستحيل؟
إن الجواب يبدو واضحاً. فنحن لا نملك معرفة كاملة بالطبيعة، وبالتالي لا نملك معرفة كاملة بما هو طبيعي. ولهذا فإن إطلاق وصف “الخارق” ينبغي أن يكون تعبيراً عن حدود النموذج المعرفي، لا عن حدود الوجود نفسه.
غير أن هذه النتيجة لا تعني، كما قد يتوهم البعض، أن كل ادعاء غريب يصبح مقبولاً، أو أن كل ما يعجز العلم عن تفسيره يتحول تلقائياً إلى حقيقة. فالجهل ليس دليلاً، والغرابة ليست برهاناً، والعقل لا يصبح أكثر علمية كلما اتسعت دائرة تصديقه. بل أن الأمر على العكس من ذلك تماماً.
إن إعادة تعريف الخارق لا تعني توسيع مساحة الإيمان، وإنما توسيع مساحة السؤال. فهي لا تطلب من العقل أن يصدق، وإنما تطلب منه ألا يجعل حدود معرفته الحالية حكماً نهائياً على حدود الواقع.
وهنا يظهر الفرق بين الشك العلمي والانغلاق المعرفي؛ فالشك العلمي يقول: “لا أقبل حتى أرى دليلاً.” أما الانغلاق المعرفي فيقول: “لن أقبل لأن هذا لا ينسجم مع ما أعرفه.” والفرق بين الموقفين هو الفرق بين عقل ينتظر الواقع، وعقل ينتظر أن يطابق الواقع توقعاته. ولو تأملنا الأمر من زاوية أخرى، لوجدنا أن كلمة “الخارق” قد تكون مضللة حتى من الناحية اللغوية؛ لأنها توحي بأن الطبيعة كيان مكتمل الحدود، وأن ما يقع خارجها هو خروج عليها. بينما الأدق أن نقول إن ما نصفه اليوم بالخارق قد يكون ببساطة جزءاً من مستوى من مستويات الطبيعة لم نصل إليه بعد. وعندئذ لن يكون السؤال: “كيف خالفت هذه الظاهرة قوانين الطبيعة؟” بل يصبح: “أي تصور للطبيعة كان ناقصاً حتى بدت هذه الظاهرة خارقة؟” وهذا التحول في صياغة السؤال كفيل وحده بإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم. فبدلاً من أن يقف الإنسان في موقع القاضي الذي يحدد مسبقاً ما يجوز للطبيعة أن تحتويه، يصبح باحثاً يدرك أن الطبيعة أوسع دائماً من النموذج الذي يرسمه لها.
ومن هنا، فإن المهمة الحقيقية لإبستمولوجيا الخوارق ليست الدفاع عن الخارق، وإنما تحرير مفهوم “الطبيعة” نفسه من الجمود الذي أُلصق به. فالطبيعة ليست قائمة مغلقة من القوانين التي اكتشفناها وانتهى الأمر، وإنما هي نظام مفتوح لا يزال يكشف، مع كل مرحلة جديدة من مراحل المعرفة، عن مستويات لم تكن داخلة في حساباتنا من قبل. بل قد يكون من الأدق أن نقول إن الطبيعي والخارق ليسا قسمين من أقسام الوجود، ولكنهما مرحلتين من مراحل المعرفة الإنسانية. فالظاهرة تكون “خارقة” ما دامت هي تقع خارج النموذج التفسيري السائد، ثم تصبح “طبيعية” عندما ينجح العقل في اكتشاف الإطار الأوسع الذي يفسرها.
وإذا صح هذا الفهم، فإن الخارق لا يكون وصفاً للشيء، بل وصفاً للمسافة التي تفصل بين الإنسان وبين فهمه لذلك الشيء.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه نظرية المعرفة في المستقبل لن يكون: “هل توجد ظواهر خارقة؟” بل سيكون: “هل ما زال نموذجنا للطبيعة يتسع لكل ما يمكن أن يكشفه الواقع؟” إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين عقل يبحث عن الحقيقة، وعقل يبحث عن تأكيد نفسه.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن أن نتعلمه من تاريخ المعرفة كله: إن الطبيعة لم تكن، في يوم من الأيام، أصغر من أن تحتوي الواقع، وإنما كانت معرفتنا بها أصغر من أن تحتوي الطبيعة.
ومن هنا فإن كل حديث عن “الخارق” ينبغي أن يبدأ بتواضع معرفي بسيط، ولكنه بالغ الأثر: إن ما نصفه اليوم بأنه خارق قد لا يكون غداً إلا صفحة جديدة أضيفت إلى كتاب الطبيعة الذي لم نقرأ منه، حتى الآن، إلا القليل.
