
في بؤرة التجربة الصوفية، يتلاشى الهامش ويتسع المركز ليضم جوهر الإنسان في مطلق بيانه وجماله وبهائه؛ فالتصوف في عمقه ليس مجرد منهج زهدي أو سلوك تعبدي مقنّن، بل هو “ارتقاء وجودي” يعيد رسم حدود الذات بعيداً عن أطرها الفيزيائية والتاريخية. ولعل أهم ما تقدمه المعرفة الذوقية يعود إلى قدرتها الفذة على كشف حقيقة الإنسان المتعالية على الهوية الجنسية؛ فالروح في حضرة الحق لا تُعرّف بذكورة ولا تُحدّ بأنوثة، وإنما تُقاس بمدى استعدادها لتلقي الفيض الإلهي واستيعاب أنوار المحبة والسلوك.
إن دراسة المقامات العرفانية لدى السالكين تُظهر أن الشوق الإلهي والفناء في الحق لا يخضعان لشرائط الفسيولوجيا؛ إذ يصبح الجسد مجرد كثافة ظلية تزول أمام إشراق السر الروحي. ومن هذا المنظر الصافي، تأتي المقارنة بين قمتين من قمم الإشراق الصوفي “النسوي” في التاريخ الإسلامي: عائشة الباعونية (المتصوفة الأردنية في القرن العاشر الهجري) وقوت القلوب الدمرداشية (المتصوفة والأديبة المصرية في القرن العشرين)، لتكشف عن أصالة الكشف الروحي وتجذره عبر العصور، وعن أثر “الطريقة” كوعاء منهجي يصقل هذه التجربة الإنسانية الشاملة.
فإذا كانت التجربة الصوفية تتسق في جوهرها المتعالي، فإن “الطريقة” تشكل المشرب واللغة والبيئة النفسية التي تتنزل فيها هذه التجارب، وذلك كما يتبين لنا بتدبر علاقة كل من هاتين المتصوفتين الجليلتين بـ “طريقتها” التي تَشرَّبتها من اسرتها ومحيطها:
1. السيدة عائشة الباعونية والطريقة القادرية (عصر التدوين والفيض العرفاني): تفتقت تجربة عائشة الباعونية في أحضان الطريقة القادرية، مستمدة من روحانية الشيخ عبد القادر الجيلاني وفكر محيي الدين بن عربي. انعكس هذا المشرب في نَظْم أدبي وشعري رفيع؛ حيث أضحى الحب المحمدي والفناء الإلهي مدرستها الأساسية. فلم يحل كون عائشة الباعونية أنثى دون أن تتصدر مجالس العلم والإجازة، بل كانت روحها القادرية المحلقة تطرح تجربة إنسانية عالمية تتجاوز الشروط الاجتماعية لعصرها، لتقدم أدباً صوفياً يضارع النتاج الأدبي لكبار رجال العرفان.
2. قوت القلوب الدمرداشية والطريقة الخلوتية (عصر المواجهة والحداثة): على الضفة الأخرى، نشأت قوت القلوب في كنف الطريقة الدمرداشية الخلوتية ذات التقاليد الصارمة والرحاب الأرستقراطية بالقاهرة. انصقلت روحها برياضات الخلوة والصفاء، لكنها وظفت هذا الإشراق الروحي في مواجهة تحولات الحداثة وأسئلة العصر عبر أدب سردي وروائي. فلم يكن شغلها الشاغل إثبات الذات “النَسوية” بمفهومها الضيق، بل تقديم رؤية روحية إنسانية تعيد للقيم الإيمانية والمحبة الخالصة من أي شائبة اعتبارَها في عالم يموج بالتغيرات.
إن التباين في المواقف والصياغات بين الباعونية والدمرداشية لا يرجع إلى اختلاف في درجة الإدراك الروحي، بقدر ما يعود إلى تباين الطرق والسياقات الحضارية، وذلك كما يتبين لنا فيما يلي:
• من الشعر الفصيح إلى السرد الروائي: استعارت الباعونية لغة العصر المملوكي المتمثلة في القصيدة الصوفية والمطولات البديعية، بينما استعارت الدمرداشية لغة القرن العشرين المتمثلة في الرواية والقصة.
• الخلوة والمحبة: بينما يميل السلوك القادري لدى الباعونية إلى التجلي والانتشار بالمحبة والثناء والتعليم، يعكس السلوك الخلوتي لدى قوت القلوب استبطاناً عميقاً للنفس، ومحاولة لترميم الصدوع الاجتماعية عبر الملاحظة السردية الواعية.
ومع هذا الاختلاف الظاهري في أدوات التعبير، يظل المترشح عن كلتا التجربتين: إنسانٌ ينظر بنور الله، ويتجاوز ثنائية (الذكر والأنثى) إلى رحاب العبودية المطلقة لله والحرية الكاملة المتولِّدة عنها.
لقد أدرك أرباب التصوف مبكراً أن “المقامات الروحية لا تأنيث فيها ولا تذكير”؛ فالقلب هو محل نظر الله تعالى، والسر الروحي لطيفةٌ إلهية مجردة عن أشكال الصور ومُعطيات المادة. فالباعونية، عندما تمدح المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم أو تتغنى بفيوضات الحق، تتحدث بلغة “السالك” المجرد، لا بلغة المرأة المقيدة بشرائط عصرها؛ إذ تتلاشى الذات الفردية في إشراق التواجد الإلهي. أما قوت القلوب، فإنها عندما تناقش القضايا الاجتماعية والروحية في رواياتها، فإنها تنطلق من أفق أخلاقي شامل يستقي من تمثلٍ سليم لما انطوى عليه حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم “إنما بُعثت لأُتمم مكارم الاخلاق”، من حضٍّ على التحلي بشيء من مكارم الاخلاق هذه، يتعامل مع الإنسان من حيث هو روح تخوض تجربتها الأرضية، وليس ككائن محكوم بحدوده البيولوجية.
إن تجربة هاتين العارفتين تؤكد أن السلوك الصوفي ينزع عن الكائن البشري أغطية الهوية الضيقة، ويضعه أمام حقيقته الأولى.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الاستشهاد بالطريقة الصوفية لتفسير التباين بين عائشة الباعونية وقوت القلوب الدمرداشية يزود الباحث بأداة تحليلية رصينة تفكك أثر التربية والسياق في تشكيل أسلوب المتصوف. غير أن الغاية الأسمى لهذه المقارنة تكمن في إبراز قدرة العرفان (التصوف) على تحرير الإنسان من الأوهام التي رسختها في وعيه ولاوعيه سنوات من اللامبالاة والسلبية حيال ما يتعرض له عقله من ضخ متواصل من شتى الاتجاهات. فلقد برهنت الباعونية والدمرداشية، كلٌّ في زمانها ومشربها، على أن التجربة الصوفية هي الميدان الذي تتجلى فيه عبودية الإنسان لله في أبهى صورها المتعالية؛ حيث يغدو العشق الإلهي والمعرفة الذوقية المعيار الوحيد لسمو الروح، بعيداً عن أسطورة التذكير والتأنيث، وغير ذلك من الأساطير التي أبدعت مخيلة الانسان في اختراعها وابتداعها.
