الشعار… حين تصبح الكلمات بديلاً عن التفكير

من بين أكثر الظواهر رسوخاً في التاريخ الإنساني، تلك القابلية العجيبة التي يمتلكها الإنسان لتحويل الكلمات إلى أصنام فكرية، يطوف حولها، ويقدسها، ويدافع عنها، دون أن يتوقف لحظة ليسأل: ماذا تعني هذه الكلمات حقاً؟ وهل يمكن تحقيقها أصلاً؟ وهل تنسجم عناصرها بعضها مع بعض؟ أم أنها ليست سوى شعارات جميلة يُخفي بريقُها فراغَها وخواءَها؟
ولعل أشهر مثال على ذلك شعار الثورة الفرنسية الذي أصبح، منذ أكثر من قرنين، واحداً من أكثر الشعارات السياسية انتشاراً في العالم: “حرية، مساواة، إخاء.” فقد بدا هذا الشعار، ولا يزال، وكأنه يلخص أسمى ما تطمح إليه الإنسانية. غير أن مجرد التأمل فيه يكشف أنه ليس وصفة متماسكة لبناء مجتمع، بقدر ما هو تجميع لثلاث كلمات جذابة، لا يملك أصحابها، في كثير من الأحيان، تصوراً واضحاً لمعانيها ولا لطبيعة العلاقة بينها.
فما المقصود، مثلاً، بالحرية؟ وهل هي الحرية المطلقة؟ أم الحرية المقيدة بالقانون؟ أم الحرية التي تتوقف عند حرية الآخرين؟ وإذا كانت الحرية مطلقة، فإنها ستقضي على المساواة، لأن الناس يختلفون في قدراتهم وثرواتهم ونفوذهم، وستؤدي حرية الأقوى إلى اتساع الفوارق لا إلى تقليصها. أما إذا كانت المساواة هي الغاية، فلا بد من تقييد جانب كبير من الحرية لتحقيقها. وهكذا تتحول الكلمتان اللتان جُمعتا في شعار واحد إلى مبدأين يتنازع كل منهما مع الآخر.
ثم تأتي كلمة الإخاء، وهي أكثر غموضاً من سابقتيها. فهل الإخاء شعور يمكن فرضه بالقانون؟ وهل يمكن للدولة أن تُلزم الناس بأن يحب بعضهم بعضاً؟ وإذا كان الإخاء مجرد تعايش سلمي، فلماذا لم يُسمَّ باسمه؟ وإذا كان يعني المحبة الحقيقية، فإن التاريخ كله يشهد أن هذه المحبة لم تكن يوماً نتيجة إعلان شعار، بل ثمرة تربية طويلة، ومصالح مشتركة، وثقة متبادلة، وعدالة مستقرة، وهي أمور لا تُخلق بالكلمات.
ولو كان مجرد رفع الشعار كافياً، لكانت فرنسا نفسها أول من حقق هذه المبادئ بصورة كاملة. غير أن الثورة التي رفعت شعار الحرية والمساواة والإخاء لم تمض سنوات قليلة حتى دخلت مرحلة “عهد الإرهاب”، حيث أُعدم عشرات الآلاف من المواطنين الفرنسيين بالمقصلة، وتحولت الثورة إلى آلة تلتهم أبناءها، قبل أن تنتهي بقيام إمبراطورية نابليون وحروبه التي اجتاحت معظم أوروبا. ولم يكن ذلك انحرافاً عارضاً عن الشعار، بل دليلاً على أن الكلمات وحدها لا تكفي لبناء الواقع.
والأمر لا يقتصر على هذا الشعار وحده، بل يكاد يكون سمة عامة في الثقافة الإنسانية. فكم من الشعارات التي يرددها الناس صباح مساء دون أن يتساءلوا عن معناها الحقيقي، وذلك من مثل: السلام العالمي، العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، التعايش، التسامح، التنمية المستدامة، تمكين الإنسان، وغيرها كثير. وليس المقصود هنا أن هذه المفاهيم باطلة في ذاتها، وإنما أن كثيراً منها يتحول إلى ألفاظ فضفاضة، يضع فيها كل إنسان ما يشاء من المعاني، حتى يصبح الاتفاق على الكلمة ستاراً يخفي اختلافاً عميقاً في المقصود منها.
ولعل هذا هو ما يفسر ظاهرة طالما تكررت في التاريخ؛ إذ قد يتفق فريقان متخاصمان على الشعار نفسه، ثم يخوضان حرباً ضروساً بينهما، لأن كلاً منهما يفهمه بطريقة مختلفة. فكلاهما قد يرفع راية الحرية، لكن أحدهما يقصد بها حرية السوق، والآخر يقصد بها التحرر من الاستغلال. وكلاهما قد يتحدث عن العدالة، لكن لكل منهما تصور مختلف تماماً عنها. وهكذا يصبح الاتفاق على الألفاظ أخفى أشكال الاختلاف.
ومن هنا، فإن الشعارات لا تُقاس بجمال ألفاظها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام التحليل العقلي. فكل شعار لا يستطيع أن يحدد مفاهيمه بدقة، ولا أن يبين العلاقة المنطقية بين عناصره، ولا أن يقدم آلية واقعية لتحقيقها، يبقى أقرب إلى الأمنيات منه إلى المبادئ، وإلى البلاغة منه إلى المعرفة.
ولعل الإنسان يميل إلى الشعارات لأنها تمنحه شعوراً سريعاً بالفهم، دون أن يضطر إلى عناء التفكير. فالعقل يطمئن إلى الكلمات المختصرة أكثر مما يطمئن إلى التحليل الطويل، ولذلك تنتشر الشعارات أسرع من الأفكار، وتحشد الجماهير أسرع من البراهين. لكنها، في الوقت نفسه، قد تصبح من أخطر وسائل تضليل العقل، لأنها تمنح الوهم بأن المشكلة قد حُلَّت بمجرد إيجاد عبارة جميلة تصفها.
ولهذا، فإن أكثر المجتمعات نضجاً هي ليست تلك التي تكثر فيها الشعارات، بل تلك التي تكثر فيها الأسئلة. فالسؤال يكشف المعنى، أما الشعار فيكتفي بإخفائه. والسؤال يطالب بالبرهان، أما الشعار فيكتفي بالتصفيق. والسؤال يفتح باب المعرفة، أما الشعار فيغلقه تحت ستار الكلمات البراقة. وربما لهذا السبب كان تاريخ البشرية، في كثير من جوانبه، تاريخاً لانتصار الشعارات على التفكير. فالناس لا ينجذبون عادة إلى أكثر الأفكار دقة، بل إلى أكثر العبارات إيقاعاً. ومادام الإنسان يفضل الكلمة الجميلة على الفكرة المُحكَمة، فسيظل ينتج، في كل عصر، شعارات جديدة، تختلف ألفاظها، لكنها تشترك جميعاً في شيء واحد: أنها تمنح العقل شعوراً باليقين، قبل أن تمنحه أسباب هذا اليقين.

أضف تعليق