حين تكشف الأمثال الشعبية أن الإنسان واحد

من بين أكثر المظاهر الثقافية التي يعتز بها كل شعب، أمثاله الشعبية التي يتوارثها جيلاً بعد جيل، حتى غدت جزءاً من هويته وذاكرته الجماعية. وكثيراً ما يُنظر إلى هذه الأمثال على أنها تعبير عن خصوصية ذلك الشعب، ودليل على تميزه عن غيره من الأمم. بل ان الناس يتحدثون عن “الأمثال العربية”، و”الأمثال الصينية”، و”الأمثال الروسية”، و”الأمثال الإفريقية”، كما لو أن كل مجموعة منها تصف إنساناً مختلفاً عن الإنسان الذي تصفه المجموعة الأخرى. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل تتحدث هذه الأمثال حقاً عن الشعوب، أم أنها تتحدث عن الإنسان الذي تشترك فيه جميع الشعوب؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً لأول وهلة، لكنه يفتح باباً مختلفاً لفهم أحد أقدم أشكال المعرفة الإنسانية. فالأمثال لم تُنشأ لتوثيق الجغرافيا، ولا لوصف الأعراق، ولا لتسجيل الفروق القومية، وإنما وُلدت من احتكاك الإنسان الطويل بالحياة، ومن ملاحظته المتكررة لأنماط السلوك البشري التي لا تكاد تتغير مهما تغيرت البيئات والأزمنة. ولهذا السبب، فإن الباحث الذي يجمع أمثال عشرات الشعوب، ثم يحذف أسماء البلدان التي نُسبت إليها، سيجد نفسه أمام كتاب واحد، لا أمام كتب متعددة. فالموضوعات الكبرى التي تتناولها الأمثال تكاد تكون واحدة في كل مكان: الطمع، والخوف، والحسد، والحب، والغيرة، والصداقة، والخيانة، والعمل، والكسل، والمال، والسلطة، والغرور، والصبر، والعجلة، والكذب، والنفاق، وسوء التقدير، وحسن التدبير. أما الاختلاف، فلا يكاد يتجاوز الصور البلاغية والرموز المحلية التي استعارتها كل بيئة من عالمها الخاص.
فالإنسان الذي عاش في الصحراء قد يشبّه الحقيقة بالشمس، بينما يشبهها ابن الغابة بالنور المتسلل بين الأشجار، ويستعيرها ابن البحر من صفاء الماء. غير أن المقصود في الحالات الثلاث هو واحد، وذلك لأن التجربة الإنسانية التي ولّدت المثل واحدة، وإن اختلفت اللغة التي عبّرت عنها.
ومن هنا، فإن الأمثال الشعبية تكشف لنا حقيقةً كثيراً ما تغيب عن الوعي الإنساني، وهي أن الإنسان، على الرغم من اختلاف ألسنته وألوانه وثقافاته، يعيش البنية النفسية نفسها. فما يثير الغضب هنا يثير الغضب هناك، وما يغري بالطمع هنا يغري بالطمع هناك، وما يدفع إلى الخيانة في مجتمع ما قادر على أن يدفع إليها في أي مجتمع آخر إذا تهيأت الظروف نفسها. ولو لم تكن النفس البشرية واحدة، لما أمكن لمثلٍ وُلد في قرية صغيرة قبل مئات السنين أن يجد من يفهمه ويصدقه في قارة أخرى بعد قرون طويلة. إن قابلية المثل للانتقال بين الشعوب ليست دليلاً على انتقال الكلمات، وإنما على ثبات الطبيعة الإنسانية التي تصفها تلك الكلمات.
ولعل هذا ما يفسر أيضاً ظاهرة لافتة، وهي أن كثيراً من الشعوب تمتلك أمثالاً متطابقة في معناها، وإن اختلفت ألفاظها. وليس من الضروري أن تكون هذه الشعوب قد تواصلت فيما بينها أو نقل بعضها عن بعض، لأن التجربة التي أنتجت المثل ليست تجربة محلية، بل تجربة إنسانية عامة. فالإنسان، أينما كان، يختبر الأنماط السلوكية نفسها، ولذلك يصل، في كثير من الأحيان، إلى المثل الشعبي نفسه.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل. فالإنسان لا يكاد يكف عن الحديث عن خصوصيته، وتميزه، واختلافه، وتفرده، حتى ليخيّل إليه أنه يمثل حالة لا شبيه لها في التاريخ. غير أن الأمثال التي يعتز بها بوصفها رمزاً لخصوصيته تكشف، من حيث لا يشعر، أنه يشبه سائر البشر بأكثر مما يختلف عنهم.
إن هذه المفارقة ليست أمراً عارضاً، بل تعود، في تقديري، إلى أحد أكثر الأوهام رسوخاً في العقل البشري، وهو الوهم الذي يصنعه فائض التمثل. فهذا الفائض لا يكتفي بأن يجعل الإنسان يرى نفسه مركز العالم، بل يدفعه أيضاً إلى الاعتقاد بأن تجربته فريدة، وأن مجتمعه استثنائي، وأن شعبه يمتلك من الصفات ما لا يملكه غيره. وكلما زاد خضوع الانسان لهذا الفائض، ازداد ميله إلى تضخيم الفروق وتقليص المشتركات. غير أن الأمثال الشعبية تقف شاهداً على عكس ذلك تماماً. فهي لا تكشف اختلاف الإنسان عن الإنسان، وإنما تكشف تكراره. إنها تقول لنا إن النفس التي أحبّت وخافت وطَمِعت وحسدت وكذبت وترددت قبل ألف عام، هي النفس ذاتها التي ما تزال تفعل ذلك اليوم، وإن تبدلت الأسماء واللغات والملابس والحدود.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الأمثال الشعبية بوصفها أحد أقدم المختبرات الإنسانية التي سجّلت نتائج التجربة البشرية قبل ظهور علم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا بقرون طويلة. فهي ليست نظريات فلسفية، ولا دراسات إحصائية، لكنها خلاصة ملاحظات تراكمت عبر أجيال، حتى استقرت في عبارات قصيرة استطاعت أن تعيش لأنها كانت تصف شيئاً ثابتاً في الإنسان.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للأمثال لا تكمن في نسبتها إلى هذا الشعب أو ذاك، وإنما في قدرتها على تجاوز كل نسب. فهي لا تتحدث عن العربي بوصفه عربياً، ولا عن الصيني بوصفه صينياً، ولا عن الإفريقي بوصفه إفريقياً، بل تتحدث عن الإنسان حين يكون إنساناً. وما يبدو اختلافاً بين أمثال الشعوب ليس في الغالب إلا اختلافاً في اللهجات الثقافية التي تتكلم بها الطبيعة الإنسانية الواحدة.
ولعل هذا يفرض إعادة النظر في الكيفية التي ندرس بها التراث الشعبي. فبدلاً من أن نتعامل مع الأمثال باعتبارها شواهد على خصوصيات الأمم، قد يكون الأجدر أن ندرسها بوصفها وثائق تكشف وحدة الإنسان. فالأمثال ليست سجلاً لهويات متباعدة، ولكنها سجلٌ للطبيعة البشرية المشتركة، وما تكرره عبر العصور من أنماط السلوك والانفعال والتفكير.
وهكذا، فإن الأمثال الشعبية، على بساطتها، تنتهي إلى نتيجة قد تعجز عن صياغتها أحياناً أكثر النظريات تعقيداً: وهي أن الإنسان، مهما ظن أنه مختلف، يبقى يحمل النفس ذاتها التي حملها أسلافه ويحملها معاصروه وسيحملها من يأتي بعده. وما الشعوب إلا مرايا متعددة تعكس حقيقة إنسانية واحدة، وما الأمثال إلا اللغة التي دوّن بها التاريخ هذه الحقيقة، جيلاً بعد جيل.

أضف تعليق