
من بين جميع الأسئلة التي يمكن أن تُطرح بعد اكتمال أي مشروع نظري، ربما لا يوجد سؤال أكثر حساسية من هذا السؤال: إلى أي مدى يمكن أن يغيّر هذا المشروع صورة الإنسان عن نفسه إذا ثبتت صحته؟ فهذا السؤال لا يتعلق بصحة النظرية ذاتها، ولا يصلح أن يكون دليلاً عليها. فصحة أي نظرية لا تُستمد من حجم نتائجها المتوقعة، بل من قوة أدلتها، واتساقها الداخلي، وقدرتها على تفسير الوقائع وإنتاج توقعات قابلة للاختبار. غير أن تاريخ العلم يعلمنا أن بعض النظريات، إذا ثبتت، لا تضيف معلومة جديدة إلى المعرفة فحسب، بل تعيد تنظيم المعرفة كلها. وهذا هو المقصود بما يسمى “الثورة العلمية”. فالثورات العلمية لا تتميز بكثرة المعلومات التي تقدمها، وإنما بأنها تغيّر الإطار الذي تُفهم من خلاله تلك المعلومات. فلقد كان الناس، قبل كوبرنيكوس، يعرفون مواقع الكواكب، ويرصدون حركاتها، ويحسبون مساراتها. لكن الصورة التي كانوا يضعون هذه المعارف داخلها كانت مختلفة. وحين تغيرت تلك الصورة، بقيت كثير من الوقائع كما هي، لكن معناها تغير. وكذلك فعل داروين. فهو لم يخترع الكائنات الحية، ولم يكتشف التشابه بينها لأول مرة، وإنما قدّم إطاراً جديداً لفهم هذا التشابه. وكذلك فعل آينشتاين. فالزمان لم يتغير، والمكان لم يتغير، لكن الكيفية التي نفهم بها العلاقة بينهما تغيرت جذرياً.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى نظرية الانعطافة التطورية الأولى. وهذا السؤال هو ليس: هل تشبه هذه النظرية ما سبقها من النظريات؟ ولكن: إذا ثبتت هذه النظرية، فهل سيكون نوع التحول الذي تقترحه شبيهاً، من حيث بنيته المعرفية، بالتحولات التي أحدثتها تلك النظريات؟
إن ما تقترحه هذه النظرية هو ليس مجرد تفسير جديد لبعض الظواهر الإنسانية؛ ولكنها تقترح تغيير نقطة البداية نفسها. فبدلاً من اعتبار الإنسان امتداداً تدريجياً لما سبقه، فإنها تقترح أن الإنسان الذي نعرفه يمثل نتيجة انعطافة نوعية أعادت تشكيل بنيته الإدراكية والنفسية والاجتماعية، وأن كثيراً من الظواهر التي تعاملنا معها بوصفها ظواهر مستقلة قد تكون تعبيرات مختلفة عن هذا التحول. وإذا صح هذا الافتراض، فإن أول ما سيتغير هو ليس الإنسان، بل الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه. فلقد عاش الإنسان، قروناً طويلة، وهو يعتقد أنه النموذج الطبيعي للعقل، وأن تجربته تمثل الصورة المرجعية التي ينبغي أن تُفهم على أساسها جميع مفاهيم الذكاء، والوعي، والإدراك، والأخلاق، والحضارة. ولكن فرضية “الإنسان الذي لم يوجد قط” تقترح سؤالاً مختلفاً مفاده: ماذا لو كان الإنسان الحالي ليس المعيار، بل هو إحدى النتائج الممكنة؟
إن مجرد طرح هذا السؤال يغيّر موقع الإنسان داخل المعرفة. فبدلاً من أن يكون نقطة القياس المطلقة، يصبح حالة هي نفسها تحتاج إلى تفسير.
وهنا تظهر أول ملامح التشابه البنيوي مع الثورات الكبرى. فكوبرنيكوس لم يصغّر حجم الأرض، لكنه أخرجها من مركز الصورة. وداروين لم ينقص من قيمة الإنسان، ولكنه أعاد إدخاله في تاريخ الحياة.
أما نظرية الانعطافة التطورية الأولى، إذا ثبتت، فقد تعيد الإنسان إلى موقع جديد مرة أخرى ليس بوصفه نهاية حتمية للتطور، ولا بوصفه الكائن الذي تمثل خصائصه الصورة الوحيدة الممكنة للعقل، بل بوصفه احتمالاً تاريخياً مخصوصاً. وهذا التحول لا يقتصر على البايولوجيا؛ إذ أنه يمتد إلى كل علم يبدأ بالإنسان. فعلم النفس سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة النظر في مفهوم “الطبيعي”. والأنثروبولوجيا ستعيد التفكير في معنى الثقافة. وسوسيولوجيا الدين ستعيد النظر في العلاقة بين الخطاب الديني والتمثلات الإنسانية له. وفلسفة العقل ستعيد تعريف الوعي. ونظرية المعرفة ستسأل من جديد عن العلاقة بين الحقيقة والتمثّل. بل أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يصبح ميداناً لاختبار السؤال الذي لم يكن مطروحاً من قبل: هل الذكاء الإنساني هو الشكل الوحيد الممكن للذكاء؟ وهذا كله يجعل التحول المقترح أوسع من أن يبقى داخل تخصص واحد. لكنه، في الوقت نفسه، يفرض قدراً كبيراً من الحذر. فليست كل نظرية واسعة النطاق تُحدث ثورة، وليست كل فكرة جريئة تصمد أمام الاختبار. ولقد عرف تاريخ الفكر نظريات كثيرة وعدت بإعادة تفسير كل شيء، لكنها لم تستطع أن تتحمل النقد العلمي، فانتهت إلى أن تصبح جزءاً من تاريخ الأفكار، لا من تاريخ العلم. ولهذا فإن المعيار الحقيقي لا يكمن في حجم الادعاء، بل في حجم القدرة التفسيرية.
فإذا استطاعت نظرية الانعطافة التطورية الأولى أن تفسر، بصورة متسقة، ظواهر لم تستطع المقاربات السابقة جمعها في إطار واحد، وإذا قادت إلى أسئلة جديدة، وإلى توقعات قابلة للفحص، وإلى برامج بحثية مثمرة، فإن قيمتها العلمية ستتحدد من خلال ذلك. أما إذا بقيت مجرد بناء فلسفي واسع لا ينتج وسائل للتمييز بين ما يؤيدها وما ينقضها، فإنها ستظل، مهما بلغت جاذبيتها، فرضية تحتاج إلى مزيد من العمل.
وهذا هو الفارق بين الثورة الفكرية والثورة العلمية. فالأولى قد تبدأ بفكرة، أما الثانية فلا تكتمل إلا عندما تتحول الفكرة إلى برنامج بحثي يعمل عليه الباحثون، ويختبرونه، وينقدونه، ويطورونه.
ومن هنا يمكن النظر إلى مشروع “الإنسان الذي لم يوجد قط” بوصفه دعوة إلى فتح برنامج بحثي، وليس إعلاناً عن إغلاق النقاش. فقيمته لا تكمن في أنه يضع نهاية للأسئلة، بل في أنه يفتح أسئلة لم تكن مطروحة. وهذا، في ذاته، أحد أهم مؤشرات المشاريع العلمية المؤسسة. فالأسئلة الجديدة كثيراً ما تكون أثمن من الأجوبة القديمة.
ولعل أبرز هذه الأسئلة هو: هل الإنسان الذي ندرسه اليوم هو الإنسان الذي كان لابد للطبيعة أن تنتجه أَم أنه نتاج مسار واحد من بين مسارات كثيرة كانت ممكنة؟ إن الفرق بين السؤالين يبدو صغيراً في الصياغة. لكنه قد يكون بالغ الأثر في نتائجه. فإذا أصبح الإنسان احتمالاً، لا ضرورة، فإن كثيراً من المفاهيم التي بُنيت عليه ستحتاج إلى مراجعة، وسنضطر إلى التمييز بين ما ينتمي إلى الحياة من حيث هي حياة، وما ينتمي إلى هذا التاريخ الخاص الذي سلكه. وقد يكون هذا هو الأثر الأعمق الذي يمكن أن تحدثه النظرية إذا ثبتت. فهذه النظرية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن معرفته السابقة، بل تدعوه إلى إعادة ترتيبها، وهي لا تدعوه إلى هدم العلوم القائمة، بل إلى إعادة وصلها، ولا تدعوه إلى رفض ما أنجزه تاريخ الفكر، بل إلى النظر إليه من زاوية جديدة.
وهنا تحديداً قد يكون وجه الشبه الحقيقي مع الثورات الكبرى في تاريخ العلم. فالثورات لا تمحو الماضي، بل تعيد قراءته، ولا تلغي الوقائع، بل تعيد تفسير العلاقات بينها، ولا تستبدل المعرفة بمعرفة أخرى، بل تستبدل الإطار الذي تنتظم فيه المعرفة. ولهذا فإن السؤال الذي سيحسم مكانة هذه النظرية في المستقبل لن يكون: هل هي جريئة؟ ولا: هل هي مختلفة؟ بل سيكون: هل تستطيع هذه النظرية، تحت اختبار البحث العلمي والنقد المستمر، أن تعيد تنظيم معرفتنا بالإنسان تنظيماً يجعل ظواهره تبدو، للمرة الأولى، أجزاءً من صورة واحدة؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب، فإنها لن تكون مجرد نظرية جديدة عن الإنسان، بل ستكون بداية طريقة جديدة للنظر إليه. أما إذا لم تستطع ذلك، فستبقى محاولة فكرية طموحة أسهمت في توسيع دائرة الأسئلة، حتى وإن لم تصبح الإطار التفسيري الذي سيعتمده العلم.
وربما تكون هذه هي السمة التي تشترك فيها جميع المشاريع العلمية الكبرى؛ فهي لا تطلب من التاريخ أن يمنحها مكانتها، بل تترك للتاريخ، وللبحث، وللنقد، أن يقرر ما إذا كانت قد غيّرت المعرفة حقاً، أم أنها كانت خطوة مهمة في الطريق نحو نظرية أخرى أكثر اكتمالاً.
