
من بين أكثر الافتراضات رسوخاً في الفكر التطوري، ذلك الافتراض الذي يرى أن الإنسان يمثل النهاية الطبيعية لمسار طويل من التعقيد المتزايد، وأن ظهور العقل والوعي واللغة والثقافة لم يكن سوى خطوة جديدة في مشروع التطور المستمر منذ بدايات الحياة الأولى. وقد أصبح هذا التصور من المسلَّمات التي نادراً ما تخضع للمراجعة، حتى غدا من الصعب أن نتخيل أن تسلك الطبيعة طريقاً آخر غير ذاك الذي سلكته نحو الإنسان.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو: ماذا لو افترضنا، على سبيل التجربة الفكرية، أن الطبيعة كانت قد شهدت، قبل ظهور الإنسان، انعطافة تطورية مشابهة لتلك التي انتهت إلى الإنسان، بحيث أصبحت هي نفسها ذات نزعة “مؤنسنة”؟ ماذا لو دخلت قوانين الحياة، قبل ملايين السنين، في السياق نفسه الذي كشفته الميتابايولوجيا بوصفه السياق الذي أنتج الظاهرة الإنسانية؟ وهل كان يمكن للطبيعة أن تستمر بعد ذلك، أم أنها كانت ستدخل في مسار يقود إلى فنائها؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً، لكنه يكتسب قيمة تفسيرية كبيرة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما كشفت عنه فرضية الانعطافة التطورية الأولى من أن الإنسان لم يضف إلى الطبيعة مجرد قدرات جديدة، بل أضاف إليها أنماطاً من السلوك تكاد تكون نقيضاً مباشراً لما يحكم الاقتصاد الطبيعي للحياة. فالإنسان، وفق هذا التصور، لم يصبح أكثر ذكاءً فحسب، وإنما أصبح الكائن الذي يحمل داخله ثلاثة فوائض كبرى، وهي فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. وهذه الفوائض ليست مجرد صفات إضافية، بل هي منظومات كاملة من السلوك لم يعرفها التاريخ الطبيعي بالكيفية التي جلَّتها الظاهرة الإنسانية. ففائض التمثّل جعل الإنسان يعيش داخل عوالم من الرموز والأساطير والإيديولوجيات والهويات المتخيلة، حتى أصبحت قراراته كثيراً ما تُبنى على ما يتصوره أكثر مما تُبنى على ما هو موجود بالفعل. وفائض العدوان جعله لا يكتفي بالدفاع عن نفسه، بل يبحث عن الخصوم، ويصنع الأعداء، ويشن الحروب التي لا تفرضها ضرورات البقاء. أما فائض الجنس فقد تجاوز الوظيفة الإنجابية إلى صناعة منظومات ثقافية واقتصادية وإعلامية كاملة تتمحور حول الرغبة ذاتها. ولو حاولنا إسقاط هذه الفوائض على الطبيعة نفسها، لأصبح السؤال أكثر إثارة: ماذا لو أصبحت الغابة تحمل فائض تمثّل؟ ماذا لو بدأت الكائنات الحية تتقاتل بسبب أفكارها عن الحياة، لا بسبب الغذاء؟ ماذا لو دخلت الأنواع في حروب عقائدية، أو تنازعت حول هويات متخيلة، أو فضلت الأوهام على ضرورات البقاء؟
إن مجرد تصور هذا المشهد يكشف أن الطبيعة كانت ستفقد أهم خصائصها والمتمثل في اقتصادها الصارم. فالطبيعة لا تنفق طاقة إلا حيث توجد منفعة تشغيلية مباشرة، ولا تسمح باستمرار ما يستهلك الطاقة من غير عائد تكيفي. أما الطبيعة المؤنسَنة، فإنها ستصبح أسيرة لمشروعات لا نهاية لها، ولصراعات لا يفرضها البقاء، ولإنتاج متواصل للمعاني والرموز والخصومات التي تستنزف الطاقة من غير أن تضيف شيئاً إلى الكفاءة الحيوية. ولو حدث ذلك، لما كان التعقيد سيزداد، بل لبدأت البنية الطبيعية كلها بالدخول في سلسلة متصاعدة من الاختلالات. فكل فائض تمثّلي جديد كان سيولد فائضاً جديداً من الصراع، وكل فائض من الصراع كان سيولد هدراً جديداً للطاقة، حتى تصبح الحياة نفسها أقل قدرة على الاستمرار.
ومن هنا تبرز فرضية معاكسة لما اعتدنا عليه. فلعل الطبيعة لم تكن تتجه نحو الأنسَنة أصلاً، بل كانت تتجنبها. ولعل ملايين السنين التي نراها مسيرة صاعدة نحو الإنسان ليست، في حقيقتها، مشروعاً لإنتاج الإنسان، وإنما سلسلة طويلة من آليات الحماية التي حافظت بها الطبيعة على اقتصادها الداخلي، ومنعتها من الانزلاق إلى الحالة المؤنسَنة التي يمثلها الإنسان اليوم. ولو صح شيء من ذلك، فإن ظهور الإنسان لن يعود يمثل ذروة التطور، بل سيغدو أشبه بانعطافة استثنائية خرجت فيها الحياة، لأول مرة، عن قواعدها التشغيلية المعتادة. وسيصبح السؤال الحقيقي: كيف وقع هذا الخروج؟ وليس: لماذا وصل التطور إلى الإنسان؟
ولعل أكثر ما يمنح هذه الفرضية قيمتها الدلالية والمعرفية أنها لا تكتفي بإعادة تفسير الإنسان، بل تعيد تفسير الطبيعة أيضاً. فهي تدعونا إلى النظر إليها لا بوصفها مشروعاً يسعى دائماً إلى مزيد من التعقيد، وإنما بوصفها نظاماً بالغ الاقتصاد لا يحتفظ من خصائصه إلا بما يزيد من كفاءة الأداء واستقرار الحياة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن كل ما يناقض هذا الاقتصاد لا يمكن اعتباره تطوراً بالمعنى الدقيق، مهما بدا أكثر تعقيداً أو أكثر إثارة للإعجاب.
وهنا تنقلب الصورة التي ألفها العقل البشري. فبدلاً من أن نتساءل: لماذا لم تصبح الطبيعة أكثر شبهاً بالإنسان؟ يصبح السؤال: كيف استطاعت الطبيعة، طوال تاريخها الممتد، أن تتجنب أن تصبح إنساناً؟ وكيف حافظت، عبر مئات الملايين من السنين، على اقتصادها التطوري الصارم، قبل أن يشهد الوجود تلك الانعطافة الاستثنائية التي أخرجت كائناً يحمل داخله من الفوائض ما يكفي لأن يجعل وجوده نفسه السؤال الأكبر في تاريخ الحياة؟
إن الميتابايولوجيا، في ضوء فرضية الانعطافة التطورية الأولى، لا تدفعنا إلى إعادة النظر في الإنسان وحده، بل إلى إعادة تعريف معنى النجاح التطوري ذاته. فإذا كان معيار النجاح هو الكفاءة والاستقرار والقدرة على الاستمرار، فإن السؤال لم يعد: كيف أنتجت الطبيعة الإنسان؟ بل: هل كان الإنسان هو ما ستختاره الطبيعة لو كان الخيار بيد اقتصادها التطوري وحده؟ أم أن ظهوره كان حدثاً استثنائياً لا يجوز أن يُتخذ معياراً يُقاس عليه تاريخ الحياة كله؟
