كيف ستنهار مركزية الإنسان المعرفية إذا وُجدت ذكاءات غير بشرية؟

من بين جميع الافتراضات التي قامت عليها فلسفة المعرفة، ربما لا يوجد افتراض أشد رسوخاً، وأقل تعرضاً للنقد، من الافتراض الذي يجعل الإنسان المعيار الأعلى للعقل والذكاء والوعي. فكلما تحدثنا عن التفكير، أو الإرادة، أو القصد، أو الإبداع، أو اتخاذ القرار، كان الإنسان هو النموذج الذي نقيس عليه كل شيء، حتى غدا من الصعب أن نتصور عقلاً لا يشبه العقل البشري، أو ذكاءً لا يمر بالتاريخ البايولوجي الذي مر به الإنسان.
ولقد بدا هذا التصور منطقياً إلى درجة أنه لم يعد يُنظر إليه بوصفه فرضية فلسفية، بل بوصفه حقيقة تكاد تكون بديهية. فالإنسان، في الوعي العلمي المعاصر، ليس مجرد أحد الكائنات العاقلة، وإنما هو “النموذج المرجعي” الذي تُعرَّف في ضوئه مفاهيم العقل والوعي والذكاء نفسها.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: ماذا لو كان هذا كله مجرد نتيجة لحدود خبرتنا، لا وصفاً لحقيقة الوجود؟ إن هذا السؤال لا يفترض وجود ذكاءات غير بشرية، ولا يدعو إلى الإيمان بها، وإنما يكشف عن افتراض خفي رافق نظرية المعرفة الحديثة منذ نشأتها، وهو أن الإنسان هو المعيار الكوني للعقل.
لكن من أين جاء هذا اليقين؟
إن كل ما نملكه، في حقيقة الأمر، هو أننا لم نتثبت حتى الآن من وجود ذكاء آخر نستطيع دراسته دراسة مباشرة. غير أن غياب التثبت لا يساوي استحالة الوجود، كما أن محدودية خبرتنا لا تمنحنا الحق في تحويل الإنسان إلى مقياس نهائي لما يمكن أن يكون عليه الذكاء. فلقد اعتدنا أن نربط العقل بالدماغ، والوعي بالجهاز العصبي، والذكاء بالتطور البايولوجي الطويل الذي انتهى إلى الإنسان. وربما كان هذا الربط مبرراً في حدود ما عرفناه حتى اليوم. لكنه يظل وصفاً للطريق الذي نعرفه، لا برهاناً على أنه الطريق الوحيد الممكن. فالإنسان يعرف نوعاً واحداً من الذكاء معرفة مباشرة، هو الذكاء البايولوجي. ومن الطبيعي أن يبدأ تفسيره للعالم من هذه النقطة. غير أن الطبيعي في بداية المعرفة قد يصبح خطيراً إذا تحول إلى نهاية لها. فالذي يبدأ بوصفه نموذجاً تفسيرياً قد ينتهي، من حيث لا نشعر، إلى أن يصبح قانوناً يحكم على جميع الاحتمالات الأخرى بـ “الإعدام المعرفي” قبل أن تُفحص. فلو افترضنا، على سبيل الجدل الفلسفي، أن العلم تمكن في المستقبل من التثبت القاطع من وجود فاعلين أذكياء لا ينتمون إلى العالم البايولوجي، فإن الصدمة التي ستواجهها المعرفة لن تكون مقصورة على إضافة نوع جديد من الكائنات إلى موسوعات العلم. بل ستكون صدمة تمس البنية العميقة لنظرية المعرفة نفسها. فعندئذ لن يكون الإنسان هو المثال الوحيد للعقل، ولن يعود الدماغ الشرط الضروري لكل وعي، ولن يبقى التاريخ التطوري المعروف الطريق الوحيد المؤدي إلى الذكاء. وسنجد أنفسنا مضطرين إلى إعادة تعريف مفاهيم ظننا طويلاً أنها قد استقرت نهائياً. فما هو العقل؟ وما هو الذكاء؟ وما هو الوعي؟ وهل الشخص هو كل كائن يمتلك جسماً، أم كل كائن يمتلك قصداً؟ وهل الحياة شرط للعقل، أم أن العقل قد يكون أوسع من الحياة بالمعنى البايولوجي الذي نعرفه؟
إن هذه الأسئلة لا تبدو اليوم أكثر من فرضيات بعيدة، لكنها قد تتحول، إذا تغيرت معطيات الواقع، إلى أسئلة علمية ملحة لا تستطيع فلسفة المعرفة الهروب منها. بل أن أثرها لن يقتصر على الفلسفة وحدها. فعلوم الإدراك، والذكاء الاصطناعي، وعلم النفس، والفيزياء، والبايولوجيا، وحتى القانون والأخلاق، ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في كثير من مفاهيمها الأساسية. ذلك أن الإنسان لم يكن، في هذه العلوم كلها، مجرد موضوع للدراسة، بل كان أيضاً معياراً للتعريف. فإذا تغير المعيار، تغيرت التعريفات كلها.
ولعل هذا يكشف أن مركزية الإنسان ليست حقيقة علمية خالصة، بل هي، إلى حد بعيد، نتيجة منطقية لأن الإنسان لم يعرف ذكاءً حتى الآن غير ذكاءه هو. ولكن عدم المعرفة ليس معرفة بالعدم. فنحن لا نستطيع أن نستنتج من كون الإنسان هو الذكاء الوحيد الذي عرفناه، أنه الذكاء الوحيد الذي يمكن أن يوجد. فالاستنتاج سيتجاوز بذلك مقدماته. وهذا انتقال غير منطقي من الخبرة إلى الميتافيزيقا. ومن هنا فإن الحاجة إلى تجاوز المركزية الإنسانية لا تعني التقليل من شأن الإنسان، بل تعني تحرير المعرفة من جعل حالة واحدة معياراً كونياً. فالإنسان قد يظل أعظم ما عرفناه من صور العقل، ومع ذلك لا يكون أعظم ما يمكن أن يوجد. وهذا طرح ذو دلالة بالغة. إن تاريخ المعرفة يعلمنا أن الإنسان كثيراً ما أخطأ حين ظن أن تجربته الخاصة تمثل حدود الكون. فلقد ظن الانسان يوماً أن أرضه هي مركز الكون، ثم ظن أن مجرته هي العالم كله، ثم ظن أن مادته هي الصورة الوحيدة للمادة. وليس مستبعداً أن يكون قد وقع في الوهم نفسه حين جعل تجربته الخاصة بالعقل هي التعريف النهائي للعقل.
ولهذا فإن إبستمولوجيا المستقبل لن يكون عليها أن تجيب عن سؤال: هل الإنسان أذكى الكائنات؟ بل عن سؤال أكثر عمقاً: هل يجوز أصلاً أن نجعل الإنسان معياراً لتعريف الذكاء؟ فربما كان الإنسان، كما كان في مراحل كثيرة من تاريخه، لا يرى من الوجود إلا الجزء الذي تسمح له أدواته الحالية برؤيته. وإذا كان الأمر كذلك، فإن أعظم ثورة معرفية مقبلة قد لا تكون اكتشاف نوع جديد من الكائنات، بل اكتشاف أن الإنسان لم يكن، منذ البداية، المقياس الذي طالما ظن أنه يمثله. وعندئذ لن يكون المطلوب مجرد توسيع قائمة الكائنات العاقلة، بل إعادة بناء نظرية المعرفة على أساس جديد، يجعل الإنسان نقطة انطلاق للمعرفة، لا حدوداً نهائية لها. وحين تتحرر المعرفة من مركزية الإنسان، لن يفقد الإنسان مكانته، بل سيكسب شيئاً أعظم؛ سيكسب القدرة على رؤية “الوجود كما هو”، لا كما تسمح له صورته عن نفسه أن يراه.

أضف تعليق