
من بين جميع الأسئلة التي يمكن أن تُطرح بعد عرض أي نظرية علمية جديدة، ربما لا يوجد سؤال أكثر قيمة دلالية من هذا السؤال: ما الذي سيترتب على هذه النظرية إن ثبتت صحتها؟ فالنظريات لا تُقاس بقوة فرضياتها وحدها، ولا بجرأة أفكارها، ولا حتى بقدرتها على تفسير بعض الظواهر، وإنما تُقاس أيضاً بمقدار ما تعيد تنظيمه من المعرفة القائمة. فكلما استطاعت نظرية أن تجعل حقولاً معرفية متباعدة تبدو أجزاءً من صورة واحدة، ازداد احتمال أن تكون قد اقتربت من اكتشاف شيء أساسي في بنية الواقع.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح على نظرية الانعطافة التطورية الأولى ليس: هل تقدم تفسيراً جديداً لبعض جوانب الظاهرة الإنسانية؟ بل: ماذا سيحدث إذا تبين أن الإنسان الذي نعرفه هو بالفعل نتيجة تحول نوعي، لا مجرد امتداد تدريجي للتاريخ التطوري السابق؟ إن أول ما سيتغير، في هذه الحالة، هو الكيفية التي نفهم بها الإنسان نفسه. فلقد اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان بوصفه النهاية المنطقية لمسيرة التطور، وأن نتعامل مع خصائصه بوصفها تعبيراً عن الصورة التي كان لا بد للحياة أن تبلغها. أما إذا كانت هذه الخصائص مرتبطة بانعطافة مفصلية، فإن الإنسان سيفقد، للمرة الأولى، موقعه بوصفه المعيار الوحيد الممكن للكائن العاقل. وسيصبح واحداً من الاحتمالات التي كان يمكن للحياة أن تتجلى بها، لا الاحتمال الضروري الذي كانت تتجه إليه منذ البداية. وهذا التحول وحده كفيل بإعادة تشكيل البايولوجيا التطورية. فبدلاً من أن ينحصر السؤال في: كيف ظهر الإنسان؟ سيضاف إليه سؤال آخر لا يقل عنه قيمة دلالية: ما الذي كان يمكن أن يظهر لو لم تقع تلك الانعطافة؟ وعندئذ لن يقتصر علم التطور على إعادة بناء التاريخ الذي وقع، بل سيبدأ أيضاً في دراسة فضاء الإمكانات التي كانت كامنة فيه، مستعيناً بالنماذج الحاسوبية والذكاء الاصطناعي لاستكشاف المسارات البديلة التي لم تتحقق. وسيتغير، تبعاً لذلك، فهمنا لعلم النفس. فالاضطرابات النفسية لن تُدرس دائماً بوصفها انحرافات عن “الطبيعة البشرية” كما نعرفها، بل قد يُعاد النظر في بعض هذه الطبيعة نفسها. فقد يصبح السؤال: هل بعض أشكال القلق، أو الوسواس، أو تضخم صورة الذات، أو العنف، أو الإدمان، ليست مجرد اضطرابات فردية، بل تعبيرات متفاوتة عن البنية التمثلية التي يحملها الإنسان؟ وعندئذ قد ينتقل علم النفس من دراسة الأعراض وحدها إلى دراسة الفائض البنيوي الذي يجعل هذه الأعراض ممكنة أصلاً. أما الطب النفسي، فقد يجد نفسه مدعواً إلى إعادة التفكير في الحدود التي تفصل بين “الطبيعي” و”المرضي”. فإذا كان العقل الإنساني نفسه يعمل وفق فائض تمثلي، فإن كثيراً من الاضطرابات قد لا تكون ظواهر غريبة عن هذا العقل، بل تضخماً في آليات تعمل داخله بصورة عامة. وبهذا قد يصبح الانتقال من الصحة إلى المرض انتقالاً في الدرجة أكثر منه انتقالاً في النوع.
وستتغير الأنثروبولوجيا أيضاً. فبدلاً من النظر إلى اختلاف الثقافات بوصفه اختلافاً في الإنسان نفسه، قد يُعاد فهمها بوصفها تنوعات داخل البنية الإنسانية الواحدة. ولن يعود السؤال: لماذا تختلف الشعوب إلى هذا الحد؟ بل: كيف أنتجت البنية التمثلية المشتركة هذا التنوع الهائل من الأساطير والرموز واللغات والعادات والهويات، مع بقائها جميعاً تعبيرات عن الذات الإنسانية نفسها؟
أما سوسيولوجيا الدين، فسيتحول اهتمامها تدريجياً من سؤال: لماذا يوجد الدين؟ إلى سؤال أكثر تركيباً: كيف يتفاعل التدين مع البنية التمثلية للإنسان؟ وما الذي يضيفه الإنسان إلى الخطاب التديني، وما الذي يحذفه منه، وما الذي يعيد بناءه داخله؟ وعندئذ قد يصبح من الممكن التمييز، بدرجة أوضح، بين تاريخ الدين وتاريخ التدين، وبين النص والتمثلات التي تراكمت حوله.
وسيجد علم الاجتماع نفسه هو الآخر أمام أفق جديد. فالظواهر الاجتماعية الكبرى، كالدولة، والسلطة، والاقتصاد، والهوية، والصراع، قد لا تُفهم بعد اليوم بوصفها مؤسسات مستقلة نشأت كل واحدة منها لأسبابها الخاصة، بل بوصفها نتائج متشابكة لكيفية عمل العقل البشري بعد الانعطافة التطورية الأولى. وهكذا قد تتحول دراسة المجتمع من دراسة للمؤسسات وحدها إلى دراسة للبنية التي أنتجت هذه المؤسسات.
أما الفلسفة، فلعلها ستكون أكثر المباحث المعرفية تأثراً. فمفاهيم مثل الحرية، والوعي، والمعنى، والحقيقة، والشر، والهوية، لن تختفي، لكنها ستدخل مرحلة جديدة من المراجعة. إذ سيصبح من المشروع أن نسأل: هل هذه المشكلات تعبر عن كل عقل ممكن، أم أنها تعبر عن العقل الإنساني كما تشكل بعد التحول؟ وهل كانت الفلسفة، طوال تاريخها، تدرس العقل بوصفه مفهوماً عاماً، أم كانت تدرس صورة خاصة من صور العقل ثم تعمم نتائجها؟
وسيمتد هذا الأثر إلى الإبستمولوجيا. فالمعرفة لن تُفهم بوصفها علاقة مباشرة بين العقل والواقع، بل بوصفها علاقة يمر فيها الواقع دائماً عبر عالم من التمثلات. وسيغدو السؤال المركزي: كيف يتحرر الإنسان من فائض التمثّل بحيث يبقى قريباً من الحقيقة؟ وبهذا قد تنتقل نظرية المعرفة من دراسة شروط صدق المعرفة وحدها إلى دراسة الشروط التي تجعل الوهم ممكناً أيضاً.
أما الذكاء الاصطناعي، فسيكتسب دوراً لم يكن مطروحاً من قبل. فبدلاً من أن يقتصر على محاكاة القدرات الإنسانية أو تحسينها، قد يصبح أداة لاختبار النماذج التطورية الافتراضية، ولمقارنة الإنسان الذي وُجد بالإنسان الذي كان يمكن أن يوجد، ولتحليل الفروق بين أشكال الذكاء الممكنة. وبهذا قد يتحول من مجرد تقنية إلى مختبر معرفي جديد لدراسة الإنسان.
لكن ربما يكون أعظم تغير ستحدثه هذه النظرية هو أنها ستعيد ترتيب العلاقة بين العلوم نفسها. فالحدود التي تفصل اليوم بين البايولوجيا، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والإبستمولوجيا، وفلسفة العقل، قد تبدأ في التراجع أمام الحاجة إلى إطار نظري موحد. ولن يكون الهدف إلغاء هذه التخصصات، بل إعادة وصلها حول السؤال الذي يجمعها جميعاً: ما الإنسان؟
وهذا قد يفتح الباب أمام ميلاد الميتابايولوجيا بوصفها حقلاً معرفياً جديداً، لا ينافس العلوم القائمة، بل يعمل عند نقاط التقاء نتائجها، محاولاً تفسير الانتقال من التحول البايولوجي إلى الظاهرة الإنسانية الشاملة. غير أن الأثر الأكبر لهذه النظرية قد لا يكون علمياً فحسب. بل إنسانياً أيضاً. فإذا أدرك الإنسان أن كثيراً مما اعتبره طوال تاريخه جزءاً ثابتاً من ماهيته قد يكون نتيجة تحول تاريخي مخصوص، فسيتغير موقفه من نفسه. فلن يعود العدوان قدراً لا يُراجع، ولا القلق مصيراً لا يُفهم، ولا فائض الرغبة قانوناً أبدياً، ولا الانقسام العقائدي دليلاً على استحالة التعايش. بل ستصبح هذه الظواهر موضوعاً للفهم، قبل أن تكون موضوعاً للإدانة أو التبرير.
وهذا لا يعني أن الإنسان سيستطيع التخلص من كل ما يحمله من آثار هذا التحول، لكنه قد يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما هو وظيفة للحياة، وما هو فائض تراكم فوقها. وهذا التمييز وحده قد يغير كثيراً من طرائق التربية، والسياسة، والقانون، والأخلاق، والعلاج النفسي، وإدارة الصراعات.
ومع ذلك، ينبغي أن يبقى سؤال الصحة العلمية حاضراً. فكل ما سبق ليس إعلاناً بأن النظرية صحيحة، بل بيانٌ لما يترتب على صحتها إذا ثبتت بالأدلة والاختبارات. فالقيمة الحقيقية لأي نظرية لا تقاس بحجم الوعود التي تقدمها، بل بقدرتها على الصمود أمام النقد، وعلى إنتاج تنبؤات قابلة للفحص، وعلى تفسير الوقائع بأقل قدر من التناقض وأكثر قدر من الاتساق.
ولهذا فإن مستقبل هذه النظرية لن يتحدد بحماسة أصحابها، ولا باعتراض خصومها، بل بما تستطيع أن تقدمه من برنامج بحثي جديد. فإذا اكتفت بتفسير الماضي، فلن تختلف كثيراً عن عشرات النظريات التي مرت في تاريخ الفكر. أما إذا استطاعت أن تقود إلى اكتشافات جديدة، وأن تطرح أسئلة لم تكن مطروحة، وأن توحد بين نتائج متفرقة، وأن تفتح مجالات جديدة للبحث، فإنها قد تكون بالفعل بداية مرحلة جديدة في دراسة الإنسان. وربما يكون هذا هو المعيار الذي ينبغي أن تُحاكم بمقتضاه. فالنظريات الكبرى لا تغير العالم لأنها تقدم أجوبة مختلفة فحسب، بل لأنها تجعل العلماء ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الأهم الذي تتركه لنا نظرية الانعطافة التطورية الأولى ليس: هل فسرت الإنسان تفسيراً كاملاً؟ بل: هل جعلتنا ننظر إلى الإنسان نظرة لم تكن ممكنة قبلها؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب، فقد تكون هذه النظرية هي الخطوة الأولى في ثورة معرفية قد بدأت بالفعل، حتى قبل أن تكتمل جميع براهينها.
