ما هو مستقبل علم المستقبل (Futurology) في ضوء الانعطافتين التطوريتين الأولى والثانية؟

من بين أكثر الحقول المعرفية ارتباطاً بطموح الإنسان لفهم الزمن، يبرز علم المستقبل بوصفه محاولة منهجية لاستشراف ما لم يقع بعد، وذلك اعتماداً على ما وقع بالفعل. فقد نشأ هذا المبحث على افتراض يبدو، لأول وهلة، بديهياً، وهو أن المستقبل ليس إلا امتداداً للماضي، وأن الاتجاهات الكبرى التي حكمت التاريخ سوف تستمر في عملها، بحيث يصبح بالإمكان التنبؤ بمآلاتها إذا ما توفرت كمية كافية من البيانات، ونماذج أكثر دقة في التحليل، وأدوات أفضل في القياس.
ولقد حقق هذا التصور نجاحات لا يمكن إنكارها في مجالات عديدة، من الاقتصاد إلى السكان، ومن التكنولوجيا إلى المناخ، حتى غدا علم المستقبل أحد أهم الأدوات التي تستند إليها الحكومات والمؤسسات الكبرى في التخطيط وصنع القرار. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو: ماذا لو كانت الصورة التي ننطلق منها لفهم الماضي نفسه غير مكتملة؟ وهل يستطيع أي علم للمستقبل أن يبقى صالحاً إذا كانت نقطة انطلاقه التاريخية بحاجة إلى مراجعة جذرية؟
إن هذا السؤال يكتسب أهمية استثنائية في ضوء ما تقترحه الميتابايولوجيا من وجود انعطافتين تطوريتين نوعيتين أعادتا تشكيل التاريخ الإنساني بأسره. فالانعطافة التطورية الأولى، بحسب هذه الفرضية، لم تكن مجرد مرحلة إضافية في مسار التطور، بل كانت انتقالاً نوعياً أدى إلى ظهور الإنسان بوصفه كائناً مختلفاً عن كل ما سبقه. أما الانعطافة الثانية، فتتمثل في نشوء الذكاءات غير البشرية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، بوصفها بداية انتقال جديد قد يعيد تشكيل موقع الإنسان ذاته داخل المنظومة المعرفية والحضارية. وإذا صح هذا التصور، فإن أول ما ينبغي مراجعته في علم المستقبل هو الافتراض الذي يقوم عليه، وهو الاستمرارية. فهذا العلم، في صورته التقليدية، يفترض أن التاريخ يتحرك في خطوط متصلة، وأن المستقبل يمكن استنتاجه من خلال إسقاط الاتجاهات الراهنة على الزمن القادم. غير أن الانعطافات النوعية لا تخضع لهذا المنطق، وذلك لأنها لا تمثل استمراراً للماضي، وإنما تمثل قطيعة معه. وهي أحداث لا يمكن توقعها بمجرد تمديد المنحنيات الإحصائية أو تحسين الخوارزميات، لأنها تغيّر القواعد نفسها التي كانت تلك المنحنيات تصفها.
ومن هنا، فإن الميتابايولوجيا لا تضيف إلى علم المستقبل معلومة جديدة فحسب، وإنما تدفعه إلى إعادة تعريف موضوعه. فالمستقبل لم يعد مجرد امتداد للحاضر، بل أصبح احتمالاً مفتوحاً لانعطافات نوعية قد تغيّر طبيعة الكائن الذي يصنعه، كما تغيّر طبيعة المعرفة التي يستخدمها لفهمه.
ولعل هذا ما يكشف أحد أوجه الهشاشة العميقة في المعرفة البشرية؛ فقد اعتاد الإنسان أن يبني تصوره للمستقبل على قراءته للماضي، لكنه نادراً ما توقف ليسأل: ماذا لو كانت قراءته للماضي نفسها ناقصة أو خاطئة؟ إن أي خطأ في فهم نقطة البداية لا يبقى محصوراً في الماضي، بل يمتد تلقائياً إلى كل تصور للمآلات. فمن يخطئ في تشخيص أصل الظاهرة، يخطئ غالباً في توقع مسارها ونهايتها.
ولهذا السبب، فإن الانعطافة التطورية الأولى لا تعيد كتابة تاريخ الإنسان فحسب، بل تعيد أيضاً كتابة مستقبله المتوقع. فإذا كان الإنسان نفسه هو ليس النتيجة الحتمية للتطور التدريجي كما جرى افتراضه، فإن كل النماذج التي بُنيت على هذا الافتراض تصبح بحاجة إلى مراجعة، لأنها تستند إلى قصة قد لا تكون قد حدثت بالصورة التي اعتقدناها.
أما الانعطافة التطورية الثانية، فتفرض تحدياً أشد عمقاً. فمع ظهور ذكاءات غير بشرية، لم يعد السؤال مقتصراً على: ماذا سيحدث للإنسان؟ بل أصبح: من الذي سيصنع المستقبل أصلاً؟ ولأول مرة في التاريخ، يواجه الإنسان احتمالاً مفاده أن لا يكون هو الفاعل الوحيد في تشكيل الحضارة القادمة، وإنما تشاركه في ذلك كيانات تمتلك قدرات معرفية قد تتجاوز قدراته في مجالات واسعة. وعند هذه النقطة، يصبح كثير من افتراضات علم المستقبل التقليدي، الذي كان يتعامل مع الإنسان بوصفه المركز الوحيد للفعل التاريخي، بحاجة إلى إعادة نظر.
إن المستقبل، وفق هذا المنظور، لن يكون مجرد مستقبل الإنسان، بل مستقبل المنظومات الذكية المتعددة، البشرية وغير البشرية. وهذا انتقال لا يقل قيمة دلالية ومعرفية عن الانتقال الذي أحدثته الانعطافة التطورية الأولى عندما ظهر الإنسان نفسه بوصفه فاعلاً جديداً في تاريخ الحياة البايولوجية. ولا يقف أثر ذلك عند حدود التنبؤ، بل يمتد إلى منهجية هذا العلم ذاتها. فبدلاً من الاقتصار على تحليل الاتجاهات، قد يصبح من الضروري أن يبحث علم المستقبل عن شروط الانعطافات النوعية، وعن المؤشرات التي تسبق التحولات الكبرى، وليس عن استمرار الاتجاهات القائمة فحسب. فالتاريخ، إذا كان قد عرف قفزات نوعية في الماضي، فلا يوجد مبرر لافتراض أنه لن يعرف قفزات مماثلة في المستقبل.
ومن هنا قد يصبح علم المستقبل أقرب إلى علم احتمالات الانعطافات منه إلى علم امتداد الاتجاهات. ولن يعود السؤال المركزي: إلى أين تقودنا الاتجاهات الحالية؟ بل: ما هي الانعطافة التالية التي قد تجعل هذه الاتجاهات كلها عديمة القيمة؟
وهنا تتجلى إحدى أهم النتائج الإبستمولوجية التي تطرحها الميتابايولوجيا، وهي أن هشاشة المعرفة البشرية لا تظهر فقط في تفسير البدايات، بل أيضاً في استشراف النهايات. فالعقل الذي أخطأ في فهم منشأ الإنسان لا يملك مبرراً كافياً للاطمئنان إلى توقعاته حول مستقبله، والعلم الذي يراجع فرضياته حول الأصل، لابد وأن يراجع أيضاً فرضياته حول المآل. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ما هو مستقبل الإنسان؟ ولا حتى: ما هو مستقبل الحضارة؟ وإنما أصبح: ما هو مستقبل علم المستقبل نفسه بعد الانعطافتين التطوريتين؟
إن الميتابايولوجيا تقترح أن هذا العلم يقف اليوم أمام لحظة تأسيسية جديدة، تشبه في أهميتها اللحظات التي غيّرت علم الفلك بعد كوبرنيكوس، أو الفيزياء بعد نيوتن وآينشتاين. فكما لم يعد ممكناً فهم الكون بعد تلك التحولات بالأدوات القديمة، قد لا يعود ممكناً فهم المستقبل بالأدوات التي افترضت أن التاريخ يتحرك دائماً في خطوط متصلة، وأن الإنسان سيظل مركزه الوحيد.
وإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أجبرتنا على إعادة التفكير في سؤال: كيف بدأ الإنسان؟ وكانت الانعطافة الثانية تدفعنا إلى إعادة التفكير في سؤال: من سيكون وريث المعرفة؟ فإن علم المستقبل، بدوره، سيكون مطالباً بأن يعيد طرح السؤال الذي يقوم عليه كله: هل المستقبل امتداد للماضي، أم أن التاريخ يُكتب، في لحظاته الفاصلة، بقفزات نوعية لا تستطيع النماذج التقليدية التنبؤ بها؟
وربما يكون هذا هو التحول الأكبر الذي ستفرضه الميتابايولوجيا على هذا الحقل المعرفي؛ إذ لن يصبح هدف علم المستقبل مجرد التنبؤ بما سيأتي، بل فهم الكيفية التي تتغير بها قواعد المستقبل نفسها، قبل أن يتغير المستقبل.

أضف تعليق