
لم يعد الخلاف بين الأجيال اليوم مجرد صراع تقليدي حول أذواق الموسيقى أو أنماط الحياة، بل تحول إلى فجوة إبستيمولوجية (معرفية) عميقة في كيفية إدراك العالم وممارسة التأثير فيه. فبينما لايزال “دهاقنة الفكر السياسي” والأكاديميات الكلاسيكية يقيسون القوة عبر الهياكل الصلبة للأمس، كالأحزاب وصناديق الاقتراع والمؤسسات الإعلامية المركزية، أفاق جيلان صاعدان (Gen Z) و (Gen Alpha) ليجدوا أنفسهم يمتلكون طاقة نفوذ من نوع جديد تماماً: قوة الشبكة، وسيولة الانتباه، والمباشرة الرقمية.
ولكي نفهم عالم اليوم والغد، يجب أن ننظر إليه من خلال عدسة ما أسماه الباحث أنطون ييغر “فرط التسييس.” (Hyperpolitics)؛ ففي عالم الأمس، عاش أبناء نهاية القرن العشرين في ظل “عصر اللاتسييس”، حيث سادت التكنوقراطية وتراجعت المشاركة السياسية لصالح الاستقرار الاقتصادي والحلول الفردية. أما في عالم اليوم، وعلى عكس آبائهم، فلقد نشأ جيل (Z) وجيل (Alpha) في قلب أزمات متلاحقة، من الانهيارات الاقتصادية إلى التغير المناخي والحروب المتواصلة. ونتيجة لذلك، لم يعد التسييس لديهم خياراً إيديولوجياً، بل حالة وجودية يومية. فكل كلمة، وكل منتج يُشترى، وكل مقطع فيديو يُشارَك، يمثل موقفاً سياسياً يمارسونه على مدار الساعة.
وتكمن “الخدعة (The catch)”، التي يعجز الكبار عن فهمها، في أن هذين الجيلين لا يُدركان العالم من خلال “الوسائط التقليدية”، وإنما من خلال استشعار مباشر للقوة الرقمية. وهذا يتجلى في النقاط التالية:
1. كسر احتكار الحقيقة: فبالنسبة للجيلين الصاعدين، لم تعد “الحقيقة” ما تمليه المؤسسات الرسمية أو الصحف الكبرى، بل هي ما يُنقل حياً ومباشرة عبر آلاف الشاشات الصغيرة. فلقد امتلك أفراد هذين الجيلين القدرة على تفكيك الروايات المهيمنة وتفنيدها في ثوانٍ معدودة.
2. سلاح “سحر الانتباه” والتعبئة اللحظية: فلقد أدرك كل من جيلَي (Z) و(Alpha) أن السياسة في عالم الغد لا تُدار بالاجتماعات المغلقة، بل بـ “اقتصاد الانتباه”. فالقدرة على توجيه الرأي العام، أو إطلاق حملات المقاطعة، أو شل حركة علامة تجارية أو سياسية، عبر المنصات، هي شكل جديد من أشكال ممارسة السلطة السياسية البديلة.
إن عالم الغد، كما يشكله وعي هذين الجيلين، يقوم على قواعد لا علاقة لها إطلاقاً بعالم الأمس، وذلك كما يتبين لنا بتدبر ما يلي:
• السياسة بلا مؤسسات صلبة: حيث يمارس الشباب الفعل السياسي بروح “الشبكة لا الحزب”. إنها حركة سائلة، سريعة الاشتعال، تعتمد على التضامن الرقمي والرفض اللحظي، لكنها تتجاوز الهياكل الهرمية القديمة التي يفضلها “الكبار”.
• هشاشة النظام الدولي الحالي والوعي الراديكالي: فبسبب من الادراك المبكر للأفراد المنتمين لهذين الجيلين الصاعدين للحقيقة التي مفادها أن العالم الذي ورثوه محفوف بالمخاطر البيئية والاقتصادية، فإن نظرتهم للمستقبل تجريدية وأقل إيماناً بالوعود التكنوقراطية، وأكثر ميلاً للحلول الجذرية والمساءلة الفورية.
يتبين لنا مما تقدم، أن كتابات كتلك التي يطرحها علينا أنطون ييغر في كتابه “فرط التسييس” لا تستمد قوتها من مجرد سرد البيانات والأرقام، بل من كونها تضع أيدينا على حقيقة ساطعة فحواها أن عالم الغد قد أُعيد تشكيله بالفعل.
إن عجز الفكر السياسي المعاصر عن استيعاب هذا التحول لا يرجع إلى قصور في الأدوات التحليلية فحسب، بل أيضاً إلى الإصرار على قراءة حركة المستقبل بنظارات الماضي. فلقد أفاق الجيلان الصاعدان على حجم القوة التي يمتلكانها، وما لم يفهم “الكبار” هذه الديناميكية الجديدة، فإنهم سيبقون يحللون عالماً لم يعد له وجود إلا في ذاكرتهم!.
