
من بين أكثر المفاهيم التي شاع حولها قدر كبير من الالتباس في الفكر الإسلامي، ربما لا يوجد مفهومان تعرضا لإعادة تعريف بقدر ما تعرض له مفهوما الحكمة والسكينة. فكثيراً ما يتحدث الناس عن الحكمة وكأنها ثمرة طبيعية لطول العمر، أو كثرة القراءة، أو عمق التجربة، أو شدة الذكاء. كما ويتحدث الكثيرون عن السكينة وكأنها حالة نفسية يستطيع الإنسان أن يصنعها بنفسه عبر التأمل، أو الاسترخاء، أو التدريب الذهني، أو الممارسة الروحية. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: كيف يكتسب الإنسان الحكمة أو السكينة؟ وإنما: هل قدّم القرآن هذين المفهومين بهذه الصورة أصلاً؟ فالمتدبر للقرآن يلحظ حقيقة لافتة تكاد لا يلتفت إليها كثير من الناس، وهي أن القرآن لا يقدم الحكمة بوصفها مهارة يكتسبها الإنسان بنفسه، ولا السكينة بوصفها حالة نفسية يستطيع أن يولدها بإرادته، وإنما يقدمهما معاً باعتبارهما فضلاً إلهياً خالصاً.
فالقرآن يقول في شأن الحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ولم يقل إن الإنسان يصنع الحكمة، أو ينتجها، أو يكتسبها باستقلال عن ربه، وإنما نسب فعل الإيتاء إلى الله وحده. وكذلك السكينة، فإن القرآن لا يتحدث عنها باعتبارها ثمرة تدريب نفسي أو حالة وجدانية يصنعها الإنسان بنفسه، وإنما يقول: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ}. وفي المواضع الأخرى كلها، تبقى السكينة مرتبطة بالفعل الإلهي نفسه؛ فهي مما ينزله الله على من يشاء، لا مما يخلقه الإنسان في نفسه. وهنا يظهر الفرق بين المنظور القرآني والمنظور البشري الشائع. فالمنظور البشري يجعل الإنسان هو المنتج النهائي لكل شيء. فإذا أراد الحكمة، بحث عنها في الكتب والخبرات. وإذا أراد السكينة، التمسها في تقنيات الاسترخاء، أو التأمل، أو تعديل أنماط التفكير. أما القرآن فيُعيد الإنسان إلى حقيقة أكثر تواضعاً، وهي أن هناك فضائل لا يستطيع العقل أن ينتجها مهما امتلك من أدوات، لأنها ليست مجرد نتائج معرفية أو نفسية، وإنما هي عطايا ربانية. غير أن هذا لا يعني أن الأسباب لا قيمة لها. فالقرآن نفسه يأمر بالتفكر، والتدبر، وطلب العلم، والإيمان، والصبر، والذكر، وسائر الأعمال الصالحة. ولكن هذه الأعمال كلها لا تتحول تلقائياً إلى حكمة أو سكينة، بل تبقى أسباباً قد يجعلها الله طريقاً إلى فضله، ويبقى الفضل نفسه بيده وحده.
وهذا يفسر لنا حقيقة يشهد بها الواقع، فقد نجد إنساناً واسع الثقافة، شديد الذكاء، طويل التجربة، ومع ذلك يفتقر الى الحكمة في مواقفه، ويضطرب عند أول امتحان فيغيب عنه السكون الداخلي. وقد نجد في المقابل مؤمناً بسيطاً، محدود التعليم، لكنه يزن الأمور بميزان عجيب، ويواجه الشدائد بقلب مطمئن، وكأن شيئاً من الطمأنينة قد أُفيض عليه من مصدر أعلى من قدراته الذاتية.
إن الفرق بين المعرفة والحكمة يشبه الفرق بين امتلاك أدوات الملاحة وبين القدرة على اختيار الطريق الصحيح. فقد يمتلك المرء أدوات كثيرة، لكنه يظل عاجزاً عن حسن توظيفها ما لم يؤته الله الحكمة. وكذلك هو الفرق بين الهدوء الظاهري والسكينة؛ فقد ينجح الإنسان في إخفاء اضطرابه، لكنه لا يستطيع أن يأمر قلبه بأن يطمئن، لأن الطمأنينة التي يتحدث عنها القرآن ليست مجرد انفعال نفسي، بل هي حالة يخلقها الله في القلب.
ولعل من أخطر الآثار التي ترتبت على إغفال هذا المعنى، أن الإنسان المعاصر بدأ يظن أن كل شيء يمكن إنتاجه بالإرادة الإنسانية وحدها. فأصبح يتعامل مع الحكمة كما يتعامل مع أي مهارة، ومع السكينة كما يتعامل مع أي تقنية علاجية. ومع مرور الزمن، تحولت الوسائل إلى غايات، وغاب عن الأذهان أن القرآن يربط هذين الفضلين بالله قبل أن يربطهما بأي سبب آخر. ومن هنا فإن الموقف القرآني لا يدعو الإنسان إلى ترك الأسباب، وإنما يدعوه إلى ألا يغتر بها. فالعبد يطلب العلم، ويجاهد نفسه، ويتدبر آيات ربه، ويكثر من ذكره، ويستقيم على أمره، لكنه لا ينسب الحكمة إلى نفسه، ولا يظن أن السكينة ثمرة حتمية لجهوده، بل يبقى سائلاً ربه أن يؤتيه الحكمة، وأن ينزل على قلبه السكينة، لأن الذي يملك الهبة هو الله وحده.
إن إعادة الاعتبار لهذا المعنى ليست مجرد تصحيح لمفهومين لغويين، وإنما هي إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان وربه. فالحكمة ليست وساماً يمنحه الإنسان لنفسه، والسكينة ليست مهارة يتقنها متى شاء، بل كلتاهما فضل يتفضل الله به على من يشاء. ومن أدرك هذه الحقيقة، لم يزده العلم إلا تواضعاً، ولم تزده العبادة إلا افتقاراً، ولم ير في كل ما يبلغه من رشد وطمأنينة سوى أثر من آثار فضل الله، الذي لا يملكه أحد سواه.
