هسترة المعاناة المتوارثة… لماذا يعاني الأبناء جراء معاناة آبائهم حتى من بعد زوال أسباب هذه المعاناة؟

من بين أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للتأمل، تلك التي تجعل الإنسان يواصل دفع ثمن أحداث لم تقع له شخصياً، وإنما وقعت لمن سبقوه. فكثيراً ما نلتقي بأشخاص نشؤوا في بيئات آمنة، ولم يتعرضوا هم أنفسهم لحروب، أو مجاعات، أو اضطهاد، أو نزوح، أو فقر مدقع، ومع ذلك تظهر في سلوكهم أنماط من الخوف، أو القلق، أو انعدام الثقة، أو الشعور الدائم بالتهديد، وكأنهم يحملون في داخلهم ذاكرةً لم يعيشوها، وتجربةً لم يكونوا شهوداً عليها. بل إن بعض هذه الأنماط قد يمتد أحياناً إلى الأحفاد، على الرغم من أن الأسباب الموضوعية التي تسببت في نشأتها قد زالت منذ زمن بعيد.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل تنتقل آثار المعاناة بين الأجيال؟ فقد أصبحت هذه الملاحظة موضع اهتمام متزايد في علم النفس والاجتماع وبعض فروع البيولوجيا. وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا يستمر الأثر بعد اختفاء المؤثر؟ وكيف يمكن لعلاقة سببية انتهت في الماضي أن تواصل إنتاج نتائجها في حاضر لم يعد يحتوي على السبب الذي أوجدها؟
إن تصورنا التقليدي للسببية يقوم على علاقة مباشرة بين السبب والنتيجة. فحين يوجد السبب تظهر النتيجة، وحين يزول السبب يفترض أن تزول النتيجة تبعاً لذلك. فالخوف يزول بزوال الخطر، والجوع ينتهي بتوافر الطعام، والاضطهاد ينتهي بانتهاء الظالم. غير أن الحياة الإنسانية كثيراً ما تكشف عن صورة أكثر تعقيداً. فبعض النتائج لا تنتهي بانتهاء أسبابها، بل تستمر مستقلة عنها، وكأنها اكتسبت حياةً خاصة بها.
ولعل أقرب تشبيه يساعد على تصور هذه الظاهرة هو ما يعرف في الفيزياء بظاهرة “الهسترة” (Hysteresis) . ففي بعض المواد لا يعود النظام إلى حالته الأصلية بمجرد زوال المؤثر الخارجي، وإنما يحتفظ بجزء من أثر ذلك المؤثر، فتظل استجابته الحالية مرتبطة بتاريخ ما تعرض له، لا بحالته الراهنة وحدها. وليس المقصود من هذا التشبيه الادعاء بأن الإنسان يخضع للقوانين الفيزيائية نفسها، وإنما الإشارة إلى وجود نمط مشترك يتمثل في أن الماضي قد يظل فاعلاً حتى بعد غياب القوة التي صنعته. ويبدو أن المعاناة الإنسانية كثيراً ما تتصرف بالطريقة ذاتها. فالأب الذي عاش سنوات طويلة في ظل الخوف قد يربي أبناءه على الحذر المفرط، حتى لو كانوا يعيشون في مجتمع آمن. والأم التي عانت الحرمان قد تغرس في أطفالها قلقاً دائماً من المستقبل، رغم أنهم لم يعرفوا ذلك الحرمان قط. والأسرة التي ذاقت الاضطهاد قد تورث أبناءها شعوراً مزمناً بعدم الأمان، حتى في بيئة تكفل لهم حقوقهم كاملة.
وهكذا لا تنتقل المعاناة لأن الأبناء ورثوا الحدث نفسه، وإنما لأنهم ورثوا الكيفية التي أعاد بها الحدث تشكيل إدراك آبائهم للعالم. فالمحنة قد تنتهي تاريخياً، لكنها قد تبقى نفسياً وثقافياً وسلوكياً، لتصبح جزءاً من أسلوب الحياة، ومن اللغة، ومن التربية، ومن تفسير الوقائع اليومية. ولذلك قد نجد أبناءً يتوقعون الأسوأ دائماً، أو يخافون من الفشل بصورة مبالغ فيها، أو يعجزون عن الوثوق بالآخرين، ليس لأن واقعهم يفرض ذلك، وإنما لأنهم نشؤوا داخل منظومة من التصورات تشكلت أصلاً استجابةً لواقع مختلف تماماً. فلقد زال السبب الخارجي، لكن النموذج الذهني الذي أنتجه ما يزال يعمل بكامل فاعليته.
ولا يقتصر الأمر على الأسر، بل يمكن أن يصيب المجتمعات بأكملها. فشعوب خرجت من الحروب منذ عقود قد تستمر في التفكير بمنطق الحصار. ومجتمعات تجاوزت الفقر قد تبقى أسيرة عقلية الندرة. وأمم استعادت استقلالها قد تظل تنظر إلى العالم بعين المستعمَر، لا بعين المواطن الحر. وهكذا تصبح الذاكرة الجمعية قوةً فاعلة في الحاضر، وليس مجرد سجل للماضي.
وقد بدأت بعض الأبحاث العلمية تستكشف أيضاً إمكان وجود مسارات بيولوجية قد تسهم في انتقال بعض آثار الضغوط الشديدة بين الأجيال، إلى جانب المسارات النفسية والاجتماعية المعروفة، إلا أن هذه المسارات ما تزال مجالاً للبحث والنقاش، ولا تفسر وحدها جميع صور الظاهرة. ومن ثم فإن فهم المعاناة المتوارثة يقتضي النظر إليها بوصفها نتاجاً لتفاعل عوامل متعددة، لا لعامل واحد.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها قد تجعل الإنسان يعيش وفق شروط عالم لم يعد موجوداً. فهو يخشى أخطاراً انقضت، ويستعد لمعارك انتهت، ويتخذ قراراته على أساس وقائع أصبحت جزءاً من التاريخ وليس من الواقع. وبذلك تتحول المعاناة من استجابة عقلانية لظرف استثنائي إلى بنية مستقرة تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
إن هذا الفهم يفتح باباً جديداً للنظر إلى التربية والعلاج النفسي والإصلاح الاجتماعي. فالمطلوب ليس معالجة الإنسان من آلامه الشخصية فحسب، وإنما مساعدته أيضاً على التمييز بين ما هو جزء من واقعه، وما هو مجرد صدى لواقع عاشه غيره قبله. فالتحرر الحقيقي لا يقتصر على إزالة أسباب المعاناة، وإنما يقتضي كذلك تحرير الوعي من استمرار الخضوع لآثارها بعد أن تكون قد انقضت.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا بعد ذلك هو: كم من معاناتنا الراهنة هي استجابة صادقة لما نعيشه اليوم، وكم منها ليس إلا أصداءً بعيدة لمعاناة لم نعشها نحن، وإنما ورثناها ممن سبقونا؟ فربما كان الإنسان، في كثير من الأحيان، لا يحمل ذاكرة حياته وحدها، بل يحمل أيضاً شيئاً من ذاكرة الألم التي خلفها التاريخ في نفوس آبائه.

أضف تعليق