
من بين أكثر الاعتراضات التي قد تُوجَّه إلى أي حقل معرفي جديد، الاعتقاد بأنه لا يستطيع أن يثبت وجوده إلا بإلغاء الحقل الذي سبقه أو بإثبات خطئه. ولذلك فقد يتبادر إلى الذهن، عند الحديث عن “الميتابايولوجيا”، أنها دعوة إلى تجاوز البايولوجيا أو استبدالها أو التقليل من شأنها. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل ستلغي الميتابايولوجيا البايولوجيا؟ وإنما: ما طبيعة العلاقة المعرفية بينهما؟ وهل هي علاقة تعارض، أم علاقة تكامل، أم أن تاريخ العلوم يقدم لنا نموذجاً سبق أن شهد انتقالاً مماثلاً؟
ولعل أفضل مثال يمكن أن نستحضره هنا هو ما شهدته الفيزياء الحديثة. فحين ظهرت ميكانيكا الكم، لم يكن ذلك إعلاناً عن انتهاء صلاحية ميكانيكا نيوتن، ولم يصبح المهندسون مضطرين إلى استخدام معادلات الكم لحساب حركة السيارات أو الجسور أو الكواكب. فما تزال قوانين نيوتن حتى اليوم تقدم وصفاً بالغ الدقة لكل الظواهر الفيزيائية التي تقع ضمن مجالها. لكن الفيزياء اكتشفت، في الوقت نفسه، أن هذا النظام التفسيري يبلغ حدوده عندما تنتقل الدراسة إلى العالم المجهري، حيث تظهر ظواهر لا تستطيع قوانين نيوتن تفسيرها، فيصبح اللجوء إلى ميكانيكا الكم ضرورة معرفية وليس خياراً فلسفياً.
إن هذا المثال يكشف حقيقة إبستمولوجية ذات قيمة دلالية بالغة، وهي أن اتساع المعرفة لا يقتضي دائماً هدم النموذج السابق، وإنما يقتضي في كثير من الأحيان تحديد مجال صلاحيته، ثم بناء نموذج آخر يتولى تفسير ما بقي خارج قدرته التفسيرية. فالنظرية الجديدة لا تكون أعظم لأنها تلغي القديمة، بل لأنها تعرف أين تنتهي صلاحية القديمة، وأين تبدأ مهمتها هي.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا؛ فالبايولوجيا، بوصفها علماً للطبيعة الحية، تمتلك قدرة تفسيرية هائلة لكل ما يدخل في نطاق الأداء الحيوي الطبيعي. فهي تفسر نشأة الأعضاء، وآليات عملها، والوراثة، والانتقاء الطبيعي، والتكيف، والاستقلاب، وسائر العمليات التي تشترك فيها الكائنات الحية بدرجات متفاوتة. وليس في مشروع الميتابايولوجيا ما يدعو إلى إنكار هذه الإنجازات أو التقليل من قيمتها. غير أن الظاهرة الإنسانية تكشف، في المقابل، عن مجموعة من التجليات التي يبدو أنها تقع خارج الحدود التفسيرية للبايولوجيا التقليدية. فالإنسان لا يختلف عن الحيوان بمجرد امتلاكه أعضاء أكثر تعقيداً، وإنما بظهور أنماط من الأداء لا تبدو امتداداً مباشراً للاقتصاد البايولوجي الذي يحكم بقية الكائنات الحية. فهناك ظواهر إنسانية تستعصي على التفسير إذا اقتصرنا على مفاهيم الانتقاء الطبيعي والتكيف والمنفعة الحيوية وحدها، لأنها تمثل نمطاً جديداً من الأداء لا يكفي تفسيره بالأدوات نفسها التي نجحت في تفسير الحياة الطبيعية.
وهنا تبدأ مهمة الميتابايولوجيا. فهي لا تبحث في كل ما هو حي، وإنما في ذلك الجزء من الظاهرة الإنسانية الذي تجاوز حدود الأداء البايولوجي الطبيعي، وأصبح يحتاج إلى إطار تفسيري جديد. فهي لا تزاحم البايولوجيا في تفسير ما تستطيع تفسيره، وإنما تتدخل حيث تنتهي القدرة التفسيرية للبايولوجيا، تماماً كما تتدخل ميكانيكا الكم عندما تبلغ ميكانيكا نيوتن حدودها القصوى.
ومع ذلك، فإن القول بوجود ميتابايولوجيا لا يعني أن الإنسان قد انفصل انفصالاً كاملاً عن ماضيه البايولوجي. فالإنسان ما يزال يحمل في داخله منظومات حيوية ورثها من تاريخه التطوري الطويل، وما تزال هذه المنظومات تخضع للقوانين البايولوجية ذاتها التي تحكم سائر الكائنات الحية. فالتنفس، والهضم، والدورة الدموية، والمناعة، والوراثة، ومعظم العمليات الفسيولوجية، كلها ما تزال تنتمي إلى المجال البايولوجي الخالص. بل إن كثيراً من الظواهر التي تصنفها الميتابايولوجيا ليست منفصلة عن البايولوجيا، وإنما تقوم فوقها. فهي تستند إلى أجهزة بايولوجية قديمة، لكنها تُنتج أنماطاً جديدة من الأداء لم تكن تلك الأجهزة قد صُممت لها في أصلها التطوري. ولذلك فإن فهم الظاهرة الإنسانية لا يقتضي القفز فوق البايولوجيا، بل يبدأ منها، ثم يتجاوزها عند النقطة التي تبدأ فيها التجليات الميتابايولوجية بالظهور. ولهذا السبب، فإن العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا ليست علاقة انفصال، بل علاقة مستويات تفسيرية متكاملة. فكل ظاهرة ينبغي أن تُفسَّر أولاً في إطارها البايولوجي متى كان ذلك كافياً، فإذا بقيت جوانب منها بلا تفسير، كان الانتقال إلى الميتابايولوجيا انتقالاً منهجياً، لا قفزة اعتباطية. فالميتابايولوجيا لا تستبدل التفسير البايولوجي، وإنما تستكمله حيث يعجز عن الإحاطة بالظاهرة.
ولعل هذه الرؤية تحمل أثراً منهجياً ذا دلالة معرفية بالغة؛ إذ أنها تدعو إلى إعادة رسم الحدود بين الحقول المعرفية، لا على أساس الانتماءات الأكاديمية التقليدية، وإنما على أساس القدرة التفسيرية الفعلية لكل علم. فالغاية ليست الدفاع عن البايولوجيا أو عن الميتابايولوجيا، وإنما اختيار النموذج القادر على تفسير الظاهرة محل البحث بأكبر قدر من الاتساق والشمول.
وكما أن الفيزياء لم تكتمل إلا حين اعترفت بأن للطبيعة أكثر من مستوى تفسيري، فقد يكون الأوان قد حان لكي تعترف علوم الحياة أيضاً بأن الظاهرة الإنسانية لا تُختزل كلها في بايولوجيتها، ولا تنفصل كلها عنها، وإنما تتطلب تكاملاً معرفياً بين البايولوجيا والميتابايولوجيا؛ تكاملاً يجعل لكل منهما مجاله، ويمنح كلاً منهما شرعيته العلمية في الحدود التي يستطيع أن يفسر فيها الواقع تفسيراً أدق وأكثر اكتمالاً.
