مقاربة تفسيرية ميتابايولوجية للآيات القرآنية التي تتحدث عن الإنسان

من بين أكثر المناهج حضوراً في تفسير القرآن، تلك التي تقرأ الآيات المتعلقة بالإنسان من خلال أحد ثلاثة أطر كبرى: الإطار اللغوي، أو الإطار العقدي، أو الإطار التاريخي. فلقد انشغل المفسرون طويلاً ببيان دلالات الألفاظ، وأسباب النزول، والخلافات ذات الصلة بعلم الكلام، والأحكام الشرعية، كما حاول كثير من الباحثين المعاصرين إعادة قراءة تلك الآيات في ضوء معطيات العلوم الطبيعية أو الإنسانية الحديثة. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: كيف نفهم ألفاظ الآيات التي تتحدث عن الإنسان؟ وإنما: ما هو النموذج التفسيري الذي يفترضه القرآن نفسه عندما يتحدث عن الإنسان؟ وهل يقدم القرآن الإنسان بوصفه استمراراً طبيعياً لما قبله من الكائنات البايولوجية، أم بوصفه ظاهرة نوعية تستدعي إطاراً تفسيرياً مختلفاً؟
أما المقاربة الميتابايولوجية، فإنها تنطلق من افتراض منهجي بسيط، لكنه بالغ الأثر، مفاده أن القرآن لا يعامل الإنسان بوصفه مجرد كائن بايولوجي أكثر تطوراً، وإنما بوصفه ظاهرة جديدة ظهرت داخل العالم الطبيعي، لكنها لا تُفسَّر تفسيراً كاملاً بقوانين الأداء الحيواني وحدها. فالإنسان في الخطاب القرآني هو ليس مجرد جسم حي، ولا مجرد عقل أكثر تعقيداً، وإنما هو كائن دخل في طور جديد من الوجود ترتبت عليه خصائص لم تكن معروفة من قبل.
ولهذا فإن كثيراً من الآيات الكريمة التي طالما عُدَّت قضايا عقدية أو أخلاقية مجردة يمكن قراءتها أيضاً بوصفها أوصافاً دقيقة للتحول الذي طرأ على الجهاز البايولوجي الإنساني نفسه. فالقرآن لا يكتفي بوصف أفعال الإنسان، بل يصف بنيته النفسية، وآليات إدراكه، ومواطن ضعفه، ومصادر اضطرابه، وكيفية تشكل وعيه، وطبيعة علاقته بالعالم وبذاته وبخالقه.
ومن هنا فإن الآيات التي تتحدث عن النسيان، والخوف، والطمع، والعجلة، والجدل، والهلع، والظلم، والجهل، والأمانة، والاستخلاف، ليست، وفق هذه المقاربة، أحكاماً أخلاقية منفصلة، وإنما أجزاء من وصف متكامل لبنية جديدة تختلف نوعياً عن البنية الحيوانية التي سبقتها.
ولعل من أبرز ما يميز هذه القراءة أنها لا تبدأ من السؤال التقليدي: ماذا يجب أن يفعل الإنسان؟ وإنما تبدأ من سؤال أسبق منه: ما الذي أصبح عليه الإنسان حتى صار يفعل ما يفعله؟ فالقرآن يصف الإنسان قبل أن يحاسبه، ويكشف بنيته قبل أن يوجه سلوكه، ويبين طبيعة تكوينه قبل أن يبين مسؤوليته. وهذا التحول في زاوية النظر يفتح الباب أمام فهم جديد لكثير من المفاهيم القرآنية. فالخلافة لا تُقرأ بوصفها مجرد منصب تكريمي، وإنما باعتبارها وظيفة ترتبت على ظهور نمط إدراكي جديد. والأمانة ليست مجرد تكليف أخلاقي، بل تعبير عن انتقال الإنسان إلى مستوى من المسؤولية لم تعرفه بقية الكائنات. وكذلك فإن قابلية الإنسان للخطأ، والنسيان، والاختيار، والتمرد، والتوبة، ليست ظواهر متفرقة، وإنما نتائج مترابطة لبنية واحدة.
إن المقاربة الميتابايولوجية لا تسعى إلى إحلال البيولوجيا محل التفسير القرآني، ولا إلى إخضاع القرآن للنظريات العلمية المتغيرة، وإنما تحاول بناء جسر تفسيري بين الوصف القرآني للإنسان وبين فهمنا العلمي لطبيعة الكائنات الحية. فهي تنطلق من القرآن بوصفه المرجعية الأصلية، ثم تتساءل: أي نموذج للإنسان يفترضه هذا الخطاب؟ وهل يتوافق هذا النموذج مع الصورة السائدة في العلوم المعاصرة، أم يدعونا إلى إعادة النظر فيها؟
ومن هذا المنطلق، يصبح من الممكن إعادة قراءة عشرات الآيات الكريمة التي تتحدث عن الإنسان باعتبارها حلقات في نظرية قرآنية متماسكة عن الظاهرة الإنسانية، لا مجرد إشارات متناثرة إلى صفات أخلاقية أو أحكام دينية. فحين يجمع القرآن بين الضعف، والعجلة، والجدل، والهلع، والطغيان، والنسيان، والقدرة على التوبة، فإنه لا يرسم قائمة من الصفات المتفرقة، بل يقدم ملامح جهاز إنساني واحد، له خصائصه وآلياته وحدوده.
ولذلك فإن هذه المقاربة لا تدعو إلى استبدال التفسير الموروث، وإنما إلى إضافة مستوى جديد من الفهم، يُعنى بما يمكن تسميته “الإبستمولوجيا القرآنية للإنسان”. فكما أن القرآن يقدم تصوراً خاصاً للكون، وللتاريخ، وللحياة، فإنه يقدم كذلك تصوراً خاصاً للإنسان، قد لا ينسجم تماماً مع النماذج التي أنتجتها الفلسفة أو علم النفس أو البيولوجيا التطورية.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن تقدمه هذه المقاربة هو أنها تنقلنا من التعامل مع الآيات الكريمة المتعلقة بالإنسان باعتبارها موضوعات متفرقة، إلى قراءتها بوصفها أجزاء من نظرية قرآنية واحدة، تصف الكيفية التي ظهر بها الإنسان، والخصائص التي ميزته، والآثار التي ترتبت على هذا الظهور، والمسؤولية التي أصبحت تقع على عاتقه. وعندئذٍ لا يعود القرآن كتاب هداية فحسب، بل يغدو أيضاً مصدراً لنموذج تفسيري متكامل للظاهرة الإنسانية، نموذج قد يكون قادراً على فتح آفاق جديدة للحوار بين الوحي والعلم، وبين التفسير والبيولوجيا، وبين المعرفة الدينية والمعرفة الإنسانية، دون أن يذوب أحدهما في الآخر أو يفقد خصوصيته المعرفية.

أضف تعليق