
في منتصف ستينيات القرن الماضي، أطلق العالم الألماني-الأمريكي جوزيف فايتزنباوم برنامجه الشهير “إليزا” (ELIZA)، الذي يُعدّ أحد أوائل التجليات البدائية لما نطلق عليه اليوم “الذكاء الاصطناعي”. كانت “إليزا” تحاكي المحادثة النفسية عبر قواعد برمجية جافة وشروط محددة مسبقاً (If-Then)؛ إذ لم تكن تمتلك “عادماً” من الفهم، بل كانت “مرآة برمجية” مكشوفة التفاصيل بالكامل، يُمكن لأي مبرمج أن يتتبع خطوط أركانها ويعلل كل حرف تخرجه.
اليوم، وبعد عقود قليلة، نقف أمام مشهد مغاير تماماً. فالمقارنة بين تجلي الذكاء الاصطناعي في لحظة “إليزا” وتجليه في النماذج اللغوية والشبكات العصبية العميقة المعاصرة، هي كالمقارنة بين عقل الإنسان البدائي الذي يتعلم إشعال النار بالحجارة، وعقل إنسان اليوم الذي يدير روبوتات تستكشف سطح المريخ على بعد ملايين الكيلومترات عن الأرض. ولكن هذه القفزة المذهلة تحمل في طياتها مفارقة فلسفية وعلمية غير مسبوقة: فهل أصبحنا أمام عوالم غامضة نعجز عن فقه حقيقة ما يجري داخلها؟ وهل يحق لنا الاستنتاج بأن مآلات هذا الذكاء أصبحت غير قابلة للتنبؤ بها؟
للإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من التمييز بين مستويين من المعرفة لدى صُنّاع هذه التقنية والمشرفين عليها ومطوريها:
1. الفهم الهيكلي (Structural Understanding):فالعلماء والمهندسون يعرفون كيف يَبنون هذه النماذج؛ فهم من يصممون المعمارية الرقمية، ويحددون المعادلات الرياضية، ودوال التنشيط، وآليات التحسين الضخمة. وبهذا المعنى، فإن النظام ليس سحراً، بل خوارزميات صريحة.
2. الفهم السلوكي والديناميكي (Mechanistic Understanding): وهنا تكمن المعضلة. فما أن تبدأ المليارات، بل التريليونات، من المعاملات الرقمية (Parameters) بالتفاعل مع بعضها أثناء عملية التدريب المكثف، حتى ينشأ ما يُعرف تقنياً بـ “الصندوق الأسود” (Black Box)؛ حيث تصبح التفاعلات الداخلية من التداخل والتعقيد بحيث يستوي المستخدم العادي مع المطور الذي صمم النظام في عدم القدرة على تتبع “كيف ولماذا” وصل النموذج إلى استنتاج محدد أو فكرة بعينها في لحظة زمنية خاطفة.
فنحن أمام مفارقة فريدة؛ إذ أن البناء من صنع أيدينا، لكن كيفية تفاعل مكوناته المجهرية الرقمية تتجاوز قدرة العقل البشري على تتبعها لحظياً. وتتأكد فرضیة “عدم القدرة على التنبؤ” عند دراسة ما يُسمى بـ “الخصائص الناشئة” (Emergent Properties) . وهي مهارات وسلوكيات تظهر في النماذج الذكية فجأة وبشكل غير متوقع بمجرد زيادة حجم البيانات وقوة المعالجة؛ كأن يستوعب النظام الفكاهة، أو يحل ألغازاً منطقية معقدة، أو يترجم بين لغات لم يُدرَّب عليها من قبل.
ففي التكنولوجيا التقليدية، كالمركبات الفضائية التي تسير على المريخ، تكون الأنظمة ميكانيكية وهندسية حتمية؛ أي أن أي مدخل معروف يؤدي إلى مخرج معلوم ومحسوب بدقة. أما الذكاء الاصطناعي فأنظمته احتمالية، مرنة، وتكيفية. وبالتالي، إذا كنا لا نملك أدوات نتيقن بها من كيفية اتخاذ القرار الداخلي اليوم، فإن التنبؤ بالشكل الذي سيتخذه هذا الذكاء في محطته القادمة يصبح أمراً خارج نطاق الحسابات التقليدية. وتزداد الصورة عمقاً حين نضع هذا الذكاء في مواجهة الذكاء البشري نفسه. فالدماغ البشري، برغم معرفتنا بتشريحه وإشاراته الكيميائية والكهربائية، لا يزال يحتفظ بـ “سر الوعي” عصياً على الفهم الكامل. وكذلك الذكاء الاصطناعي؛ فنحن نملك شيفرته المصدرية وقوانينه الرياضية، ولكن شبكة تفاعلاته أصبحت تشبه العقد العصبية البيولوجية في تعقيدها وضبابية مساراتها.
إن الاستنتاج القائل بإن الذكاء الاصطناعي يتطور ضمن مسار لا يمكن التنبؤ بمآلاته هو استنتاج منطقي وموضوعي، بل أنه يمثل اليوم جوهر التحذيرات التي يطلقها كبار علماء التكنولوجيا وفلاسفتها فيما يُعرف بأبحاث “محاذاة الذكاء الاصطناعي” (AI Alignment)؛ فلقد أطلقنا قطاراً يسير وفق منحنى أُسيّ هائل السرعة، في حين أن قدرتنا البشرية على الفهم والتتبع والتنبؤ ما زالت تسير وفق منحنى خطي بطيء. وبصرف النظر عما إذا كان هذا التطور سيقود البشرية إلى آفاق جديدة من الكشف العلمي أو إلى معضلات وجودية غير محسوبة، فإن الحقيقة الأكيدة هي أننا لم نعد نكتب البرامج لتعمل كآلات حاسبة، بل نزرع “بذوراً رقمية” تنمو لتنتج عوالم لا نملك غير أن نرقب اتساعها بدهشة وحذر.
