تأثير تانتالوس… لماذا يؤلمنا عجزنا عن الحصول على ما هو قريب منا أكثر مما يؤلمنا عجزنا عن الحصول على ما هو بعيد عنا؟

من بين أكثر أشكال المعاناة الإنسانية غرابة، تلك التي لا تنشأ عن فقدان الشيء، وإنما عن حضوره المستمر أمام أعيننا مع عجزنا عن الوصول إليه. فالإنسان قد يتقبل غياب ما يعلم أنه مستحيل المنال، لكنه كثيراً ما ينهار نفسياً أمام شيء يبدو قريباً جداً منه، حتى ليخيل إليه أن حاجزاً بسيطاً فحسب هو كل ما يفصله عنه، بينما يبقى هذا الحاجز عصياً على الاختراق مهما بذل من جهد، أو أعمل من حيلة، أو استنفد من وسائل.
ولعل هذا النمط من المعاناة هو ما يمكن أن نطلق عليه اسم “تأثير تانتالوس”؛ نسبة إلى الأسطورة اليونانية التي حُكم فيها على تانتالوس بأن يقف في ماء يبتعد كلما حاول أن يشرب منه، وتعلوه ثمار تتراجع كلما مد يده إليها، فيبقى معذباً لا بسبب غياب الماء أو الطعام، وإنما بسبب حضورهما الدائم مقروناً باستحالة الوصول إليهما.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: لماذا يعجز الإنسان عن الوصول إلى بعض ما يريد؟ وإنما: لماذا يكون هذا العجز أشد إيلاماً كلما بدا المطلوب أقرب إليه؟
إن كثيراً من الحيوانات لا يظهر عليها إلا مقدار محدود جداً من هذا التأثير. فقد يحاول حيوان مفترس الوصول إلى فريسة حالت بينها وبينه عقبة لا يستطيع تجاوزها، ثم لا يلبث أن يصرف انتباهه عنها ليبحث عن فرصة أخرى. ولعل من أبلغ الصور التي تجسد هذا المشهد تلك الصورة الفوتوغرافية الشهيرة لقط يقف أمام سمكة تتحرك في إناء زجاجي. فالسمكة ليست غائبة، بل تتحرك أمام عينيه ذهاباً وإياباً، حتى ليبدو وكأنها في متناول مخالبه، ومع ذلك يبقى الزجاج الشفاف مانعاً لا يستطيع تجاوزه. وربما يبدو على القط شيء من الحيرة أو الإحباط، لكن هذه الحالة لا تستغرق حياته، ولا تتحول إلى مشروع دائم لإعادة تفسير العالم.
أما الإنسان، فالأمر مختلف تماماً؛ فهو لا يرى الشيء فحسب، وإنما يعيد تمثله آلاف المرات داخل عقله؛ إذ أنه لا يكتفي بالنظر إلى الحاجز، بل يبني حوله شبكة معقدة من التأويلات، والفرضيات، والاحتمالات، والاتهامات، والآمال المؤجلة. وهنا يبدأ فائض التمثل بممارسة سلطانه الكامل، فيحوّل الحاجز الصغير إلى قضية وجودية تستنزف الفكر والانفعال معاً. فبدلاً من أن يسأل: “هل هذا الشيء في متناول قدرتي أصلاً؟”، يبدأ بالسؤال: “من الذي حرمني منه؟”، أو “لماذا حصل عليه غيري ولم أحصل عليه أنا؟”، أو “ماذا ينقصني؟”، أو “لو أن ظروفي كانت مختلفة لكنت انا من حصل عليه؟” وهكذا يتحول العجز عن بلوغ الهدف إلى ماكينة لا تتوقف عن إنتاج التفسيرات، حتى يغدو أسيراً لعالم من الصور الذهنية التي قد تكون أشد قسوة من الواقع نفسه.
ومن هنا، فإن “تأثير تانتالوس” ليس مجرد عجز عن الوصول، وإنما هو عجز تغذيه الصورة الذهنية باستمرار. فكلما بقي الهدف ظاهراً أمام العين، استمر فائض التمثل في إعادة إحياء الرغبة، وفي إعادة تنشيط الإحساس بالحرمان، وفي منع النفس من الانصراف إلى ما يمكن تحقيقه بالفعل. ولعل وسائل التواصل الاجتماعي تمثل اليوم أكبر مختبر إنساني لهذا التأثير. فالإنسان، وللمرة الأولى في تاريخه، أصبح يعيش أربعاً وعشرين ساعة يومياً وسط سيل لا ينقطع من الصور التي تعرض عليه كل ما يفتقر إليه. فهناك من يسافر وهو لا يستطيع السفر، ومن يحقق نجاحاً مهنياً وهو يشعر بالتعثر، ومن يعيش قصة حب، أو يمتلك منزلاً، أو جسداً، أو ثروة، أو شهرة، أو حياة تبدو أكثر سعادة من حياته. فهذه الصور لا تعرض عليه أشياء بعيدة مجهولة، وإنما أشياء تبدو قريبة جداً، حتى ليخيل إليه أن الفارق بينه وبين أصحابها مجرد خطوة صغيرة، أو قرار واحد، أو فرصة ضائعة. وهنا يبدأ “تأثير تانتالوس” بالعمل بأقصى طاقته. فكل صورة تصبح تذكيراً بما ينقصه، وكل نجاح للآخرين يتحول إلى مرآة يرى فيها عجزه وفشله، وكل مقارنة جديدة تعيد تنشيط إحساسه بالحرمان. ومع تكرار هذا التدفق اليومي، تتكون داخل النفس حلقة تغذية راجعة سلبية؛ فكلما ازداد شعوره بالنقص، ازداد بحثه عن صور جديدة، وكلما رأى صوراً أكثر، ازداد شعوره بالنقص. وهكذا يدخل في دائرة مغلقة تستهلك “استقراره” النفسي شيئاً فشيئاً.
والمشكلة أن فائض التمثل لا يسمح له غالباً بأن يوجه السؤال إلى الجهة الصحيحة. فهو يحمّل الظروف، والمجتمع، والحظ، والآخرين، والمؤامرات، وسوء التوقيت، وكل شيء تقريباً مسؤولية عجزه، بينما يتجنب السؤال الأصعب: هل أصبحتُ أنا شريكاً في صناعة هذا العذاب لأنني أصررت على إبقاء نفسي واقفاً أمام الزجاج؟ فالزجاج، في كثير من الأحيان، ليس هو المشكلة الكبرى، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في الإصرار على الوقوف أمامه، والنظر عبره، وإعادة النظر عبره، وانتظار أن يختفي وحده.
ومن هنا، فإن التحرر من “تأثير تانتالوس” لا يبدأ بإزالة جميع الحواجز، لأن ذلك مستحيل، وإنما يبدأ بالتحرر من سلطان فائض التمثل الذي يحول الحاجز إلى مركز تدور حوله النفس على مدار الساعة. فالعقل المتوازن لا يقيس حياته بما يراه عند الآخرين، ولا يجعل من كل شيء قريب المنظر هدفاً مشروعاً له، ولا يسمح للصورة بأن تفرض عليه قيمة الأشياء.
ولعل الإنسان لن يستعيد شيئاً من راحة باله إلا عندما يتعلم أن بعض الأبواب ليست له، وأن بعض الأسماك التي تتحرك خلف الزجاج لم تُخلق ليصطادها، وأن أعظم انتصار يحققه العقل هو ليس في كسر كل حاجز، وإنما في معرفة أي الحواجز يستحق أن يبذل عمره في محاولة تجاوزه، وأيها ينبغي أن يدير له ظهره ويمضي.

أضف تعليق