ما الذي يتوجب على نظرية المعرفة ان تأخذه بنظر الاعتبار عند تعاملها مع احتمالية وجود كيانات عاقلة غير بايولوجية ؟

من بين جميع الموضوعات التي أثارت الجدل بين الدين والفلسفة والعلم، ربما لا يوجد موضوع بقي أسير ثنائية الإيمان والإنكار مثل موضوع الجن. فغالباً ما ينتهي الحديث عنه إلى أحد موقفين متقابلين: موقف ديني ينطلق من التسليم بوجودهم اعتماداً على النصوص الدينية، وموقف آخر يرفض الفكرة ابتداءً لأنها لا تنسجم مع النموذج العلمي السائد.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل الجن موجودون أم غير موجودين؟ وإنما: هل تملك نظرية المعرفة المعاصرة أصلاً إطاراً منهجياً يسمح لها بدراسة فرضية وجود كائنات عاقلة غير بايولوجية؟ وهنا ينبغي التشديد على ان الفرق بين هذين السؤالين ذو دلالة معرفية بالغة. فالسؤال الأول يبحث عن نتيجة. أما الثاني فيبحث في صلاحية المنهج الذي نريد الوصول من خلاله إلى تلك النتيجة.
فلقد نشأت العلوم الحديثة في عالم كان موضوعها الرئيس هو المادة والحياة البايولوجية والظواهر القابلة للرصد المباشر أو غير المباشر. ولذلك فإنها قد طورت أدوات ومنهجيات أثبتت نجاحاً استثنائياً في هذه الميادين. غير أن نجاح المنهج في دراسة الظواهر البايولوجية لا يبرهن، في حد ذاته، على أنه صُمم أيضاً لدراسة كل صورة ممكنة من صور الوجود.
وهنا يبرز فراغ إبستمولوجي لم يحظ بالاهتمام الكافي. فالحديث عن كائنات غير بايولوجية لا يواجه فقط مشكلة الإثبات، بل يواجه قبل ذلك مشكلة غياب الإطار المنهجي الذي يحدد كيف ينبغي للعقل أن يقترب من هذا النوع من الفرضيات. فنظرية المعرفة الحالية تعرف كيف تدرس الخلية وتعرف كيف تدرس الدماغ وتعرف كيف تدرس الجاذبية والإشعاع، لكنها لا تقدم تصوراً واضحاً لكيفية دراسة فاعل عاقل لا ينتمي، من حيث الفرض، إلى العالم البايولوجي.
ومن هنا فإن المشكلة هي ليست في الجن وحدهم؛ إذ أنها مشكلة عامة تتعلق بكل فرضية تتحدث عن ذكاء غير بايولوجي، سواء وردت في نص ديني، أو ظهرت في نقاش فلسفي، أو أصبحت موضوعاً لبحث علمي مستقبلي. ولهذا فإن الاقتصار على سؤال: “هل الجن موجودون؟” يجعل النقاش يبدأ من نهايته، أما السؤال الأسبق فهو: كيف ينبغي أن نبني منهجاً معرفياً يستطيع، من حيث المبدأ، أن يدرس هذه الفرضية إذا ظهرت معطيات تستوجب دراستها؟ فهذا السؤال لا يثبت وجود الجن، ولا ينفي وجودهم، بل يسبق الإثبات والنفي معاً. وهو، بهذا المعنى، سؤال إبستمولوجي خالص.
ومن اللافت أن كثيراً من الاعتراضات على فكرة الكائنات غير البايولوجية العاقلة لا تقوم على برهان يستحيل معه وجودها، بل على استغراب ناشئ من كونها لا تشبه النموذج الذي ألفناه للحياة والعقل. ولكن اختلاف النموذج ليس دليلاً على الاستحالة. فالإنسان لم يعرف، حتى اليوم، إلا صورة واحدة من الذكاء معرفة مباشرة، وهي الذكاء المرتبط بالبنية البايولوجية، ومن الطبيعي أن ينطلق من هذه الخبرة في تفسير العالم. غير أن الطبيعي في بداية المعرفة لا يجوز أن يتحول إلى قيد على نهايتها. فلو ظهر، في المستقبل، دليل قوي على وجود فاعلين عاقلين لا تنطبق عليهم الشروط البايولوجية المعروفة، فلن تكون المشكلة الأولى هي إثبات وجودهم، بل إعادة تعريف مفاهيم مثل العقل، والوعي، والفاعلية، والحياة.
وهنا تكمن القيمة المنهجية لموضوع الجن. فبصرف النظر عن الموقف العقدي من وجودهم، فإن مجرد طرح الفرضية يكشف أن نظرية المعرفة الحالية لم تطور بعد أدواتها للتعامل مع هذا النوع من الأسئلة. ومن هنا فإن الجن لا يمثلون، في هذا السياق، موضوعاً دينياً فحسب، بل يمثلون أيضاً اختباراً لقدرة الإبستمولوجيا على تجاوز حدود النموذج البايولوجي الذي تأسست بالاستناد إليه. وهذا لا يعني أن النصوص الدينية يمكن أن تحل محل البرهان العلمي، كما أنه لا يعني أن غياب البرهان العلمي يفند، بذاته، كل ما تقرره النصوص الدينية. فالفكر الديني والإبستمولوجيا مجالان معرفيان مختلفان. فالفكر الديني يسأل: ماذا يخبرنا الوحي؟ أما الإبستمولوجيا فتسأل: كيف ينبغي للعقل أن يتعامل مع هذا النوع من القضايا؟ وما الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها، نفياً أو إثباتاً، قبل اكتمال الدليل؟ وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول النقاش إلى صراع بين الإيمان والإنكار، بينما القضية الحقيقية تتعلق بمنهج المعرفة نفسه.
إن إبستمولوجيا الخوارق لا تطلب من العلم أن يثبت وجود الجن، ولا تطلب منه أن يتبنى التصورات الدينية عنهم، وإنما تطلب منه شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر اتساقاً مع روحه: ألا يغلق، من حيث المبدأ، باب البحث في فرضية لم يثبت استحالتها، وألا يجعل النموذج البايولوجي الذي نجح في تفسير كثير من جوانب الظاهرة الإنسانية حكماً نهائياً على كل صورة ممكنة من صور العقل والفاعلية. فإذا كان العلم قد تعلم، عبر تاريخه الطويل، ألا يجعل حدود أدواته حدوداً للواقع، فإن عليه أيضاً ألا يجعل حدود النموذج البايولوجي حدوداً لكل ذكاء ممكن.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي يقدمه موضوع الجن لنظرية المعرفة؛ إذ أنه لا يجبرها على الإيمان بوجود كائنات غير بايولوجية عاقلة، ولكنه يضطرها إلى مواجهة سؤال لم يعد ممكناً تجاهله: هل نرفض هذه الفرضية لأن الأدلة عليها غير كافية؟ أم أننا نرفضها لأن نموذجنا الحالي لا يعرف كيف يتعامل مع وجودها لو ثبتت؟ فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين علم يراجع حدوده باستمرار، وعلم يخلط، بين حدود نماذجه وحدود الوجود نفسه.
ومن هنا، فإن الجن، في المنظور الإبستمولوجي، ليسوا أولاً موضوعاً لإثبات أو نفي، بل هم مناسبة فلسفية لاكتشاف أن نظرية المعرفة قد تكون مطالبة، الآن، بأن تصبح أوسع من النموذج الذي صيغت داخله، وأكثر استعداداً للتعامل مع إمكانات الوجود، أيّاً كانت طبيعتها، ما دام البرهان هو الحكم الأخير فيها.

أضف تعليق