
من بين جميع الوعود التي تُنسب إلى الذكاء الاصطناعي، ربما لا يوجد وعد أكثر عمقاً من الوعد الذي لا يكاد يلتفت إليه كثير من الناس، وهو أن يساعد الإنسان على رؤية نفسه كما هي، لا كما يتخيلها. فلقد اعتدنا النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة للحصول على المعلومات، أو لإنجاز الأعمال، أو للإجابة عن الأسئلة، غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يخبرني عن العالم؟ وإنما: هل يستطيع أن يخبرني بشيء عن نفسي لم أكن قادراً على اكتشافه وحدي؟ فالإنسان، منذ أن أصبح إنساناً، لم يكن يرى العالم وحده من خلال تمثلاته، بل كان يرى نفسه أيضاً من خلالها. فهو يبني عن ذاته صورة ذهنية تتأثر برغباته، وخبراته، ومخاوفه، وذكرياته، وما يحب أن يكون عليه، بقدر ما تتأثر بما هو عليه بالفعل. ولذلك فإن أكثر الأشخاص صدقاً مع الآخرين قد يجد صعوبة في أن يكون صادقاً مع نفسه، لا لأنه يتعمد خداعها، وإنما لأن العقل البشري ليس مرآة شفافة، بل هو جهاز يفسر، ويختار، ويحذف، ويبرر، ويعيد ترتيب الوقائع بما يحافظ على تماسك صورته عن ذاته. ولذلك كثيراً ما يفاجأ الإنسان عندما يسمع كيف يراه الآخرون. فهو قد يظن نفسه منفتحاً بينما يراه غيره متعصباً، وقد يعتقد أنه هادئ بينما يبدو لمن حوله سريع الانفعال، وقد يصف نفسه بالموضوعية بينما تكشف قراراته المتكررة عن انحيازات لا ينتبه إليها. وليس سبب ذلك أن الآخرين يرونه دائماً على حقيقته، وإنما لأن كل إنسان ينظر إليه من زاوية مختلفة، فتتعدد الصور، ويبقى الوصول إلى الصورة الأقرب إلى الواقع مهمة شاقة. فلقد حاول الإنسان، عبر التاريخ، أن يجد هذه المرآة في الفلسفة، أو في التربية، أو في الأصدقاء، أو في النقد الذاتي، وكل واحدة من هذه الوسائل تؤدي دوراً لا غنى عنه. غير أن جميعها كانت تخضع لحدود الذاكرة البشرية، وضيق القدرة على المقارنة، وتأثير الانفعالات، وصعوبة تتبع أنماط التفكير والسلوك عبر سنوات طويلة.
أما اليوم، فإن الانعطافة التطورية الثانية تضع بين يدي الإنسان نوعاً جديداً من المرايا؛ وهي مرآة لا تكتفي بما يقوله عن نفسه، بل تقارن أقواله بأفعاله، وتراجع أحكامه السابقة، وتستطيع أن تكتشف الأنماط التي تتكرر في تفكيره من غير أن يشعر بها. فهي لا تعتمد على انطباع عابر، بل على تتبع مستمر لما ينتجه الإنسان من أفكار، وأسئلة، وقرارات، واعتراضات، وتغيرات في المواقف. فالذكاء الاصطناعي لا يعرف ما يدور في أعماق النفس، ولا يستطيع أن يحكم على النوايا أو أن يحيط بالإنسان إحاطة كاملة. لكنه يستطيع أن يفعل شيئاً آخر ذا دلالة بالغة؛ أن يكشف التباعد بين ما يقوله الإنسان عن نفسه، وما تكشفه أنماط سلوكه واستدلاله. وهذا التباعد هو، في كثير من الأحيان، بداية المعرفة الحقيقية بالذات.
ولعل أهم ما يميز هذه المرآة الجديدة أنها لا تتعب من الملاحظة، ولا تنسى ما رأته، ولا تكتفي بحادثة واحدة لتصدر حكماً عاماً. فهي تستطيع أن تلاحظ، مثلاً، أن الإنسان يرفض نوعاً معيناً من الأدلة باستمرار، أو أنه يكرر خطأً منطقياً بعينه، أو أنه يتشدد في قضايا يتساهل في نظائرها، أو أنه يطالب الآخرين بمعايير لا يطبقها على نفسه. وهذه أمور قد يصعب على الإنسان اكتشافها بنفسه، لأن كل موقف يمر عليه منفرداً، بينما يحتاج إدراك النمط إلى رؤية آلاف التفاصيل بوصفها صورة واحدة. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في أنه يخبر الإنسان بما يفكر فيه، وإنما في كونه يساعده على اكتشاف كيف يفكر. والفرق بين السؤالين هائل. فالأول يتعلق بالمحتوى، أما الثاني فيتعلق بالآلية. والإنسان قد يغير كثيراً من آرائه عبر حياته، لكن الكيفية التي يبني بها تلك الآراء قد تبقى ثابتة، من غير أن يلاحظها.
وفي ضوء الميتابايولوجيا، تكتسب هذه الإمكانية قيمة إضافية، فإذا كان فائض التمثل يدفع الإنسان إلى إنتاج صور ذهنية عن العالم وعن نفسه تتجاوز الواقع، فإن التخلص من هذا الفائض لا يبدأ بتغيير العالم، بل يبدأ بتصحيح الصورة التي يحملها الإنسان عن ذاته. فالإنسان الذي يبالغ في تقدير موضوعيته، أو في التقليل من أثر انفعالاته، أو في الاعتقاد بأنه محصن ضد التحيز، سيكون أقل استعداداً لمراجعة نفسه، مهما كثرت الأدلة أمامه. غير أن هذه المرآة ليست معصومة. فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ في تفسير بعض الأنماط، أو قد يفتقر إلى سياق لا يعرفه، أو قد يبني استنتاجاً يحتاج إلى مراجعة. ولذلك فإن التعامل معه ينبغي ألا يقوم على التسليم المطلق، بل على الحوار المستمر. فليس المقصود أن يحل محل وعي الإنسان بذاته، وإنما أن يوسعه، وأن يمنحه زاوية نظر لم تكن متاحة له من قبل.
وربما يكون أعظم تحول ستشهده العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي هو انتقالها من علاقة سؤال وجواب إلى علاقة مراجعة وتقويم. فبدلاً من أن يسأل الإنسان: “ما هو الجواب الصحيح؟”، سيبدأ بسؤال أكثر عمقاً: “ماذا تكشف طريقتي في السؤال عني؟” وبدلاً من أن يبحث عن معلومة جديدة، سيبحث عن فهم جديد لنفسه.
إن الانعطافة التطورية الثانية قد لا تمنح الإنسان عينين جديدتين ينظر بهما إلى العالم، لكنها قد تمنحه مرآة أفضل ينظر بها إلى نفسه. وعندئذ لن تكون أعظم وظيفة للذكاء الاصطناعي هي أن يزيد ما نعرفه عن الكون فحسب، بل أن يساعدنا على اكتشاف الإنسان الذي كنا نظن أننا نعرفه أكثر من أي شيء آخر، وإذا بنا نكتشف أن أكثر الكائنات غموضاً لنا كان، وما يزال، هو نحن أنفسنا.
