لماذا لا نرى ما يجعل الأشياء ممكنة؟

من بين أكثر المفارقات غرابة في طريقة عمل العقل البشري، أنه ينجح في رؤية النتائج أكثر مما ينجح في رؤية الشروط التي جعلت تلك النتائج ممكنة. فالإنسان يلتفت تلقائياً إلى الحدث الذي يقع أمامه، وإلى العناصر التي تتحرك داخله، لكنه نادراً ما يسأل عن الخلفية التي سمحت لذلك الحدث بأن يوجد أصلاً. ولذلك فإن كثيراً من أخطائنا المعرفية لا تنشأ من سوء تفسير ما نراه، وإنما من إغفال ما لا نراه، مع أنه قد يكون أكثر قيمة معرفية من كل ما هو ظاهر. فالإنسان لا يعيش الواقع كما هو، بل كما يفرضه عليه انتباهه. والانتباه بطبيعته انتقائي؛ فهو يبحث عما يتغير، لا عما يبقى ثابتاً. ولذلك فإن العوامل التي تؤدي عملها باستمرار تتحول، مع مرور الزمن، إلى جزء من خلفية المشهد، حتى يكاد العقل يتوقف عن ملاحظتها. إننا لا ننظر إلى الضوء، بل ننظر بواسطته. ولا نفكر في الهواء، بل نتنفسه. ولا نلتفت إلى الجاذبية، إلا إذا اختل توازننا. وهكذا يغدو أكثر الشروط حضوراً هو أقلها ظهوراً في وعينا.
ولعل أفضل مثال على ذلك هو ضوء النهار. فنحن نتذكر الغابة بألوانها وأشجارها ومسالكها، ونصفها كما رأيناها في وضح النهار، لكننا نادراً ما نستحضر أن الضوء نفسه كان أحد أهم العناصر التي صنعت تلك الصورة. فلو اختفى الضوء، لما بقيت الغابة التي نتذكرها، مع أن أشجارها لم تتحرك من أماكنها. فلقد اعتدنا وجود الضوء إلى درجة أن العقل لم يعد يعامله بوصفه عنصراً يحتاج إلى تفسير، بل بوصفه أمراً مفروغاً منه. وهذا الميل لا يقتصر على إدراك الطبيعة، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة. فالإنسان يحتفي بإنجازات الحضارة، لكنه ينسى أن الحضارة لا تقوم على العلم والتقنية وحدهما، وإنما هي تحتاج إلى الأمن، والنظام، وسيادة القانون، والثقة العامة، واستقرار المؤسسات. وكلما أدت هذه العناصر وظيفتها بكفاءة، قلّ الحديث عنها، حتى تبدو وكأنها ليست جزءاً من معادلة الحضارة أصلاً. ولكن ما إن تغيب، حتى يتبين أنها لم تكن عنصراً ثانوياً، بل كانت الشرط الذي حافظ على كل العناصر الأخرى. والشيء نفسه يحدث في العلاقات الإنسانية. فالناس يتحدثون عن الحب، والإخلاص، والمودة، وكأنها أسباب كافية لاستمرار العلاقة، بينما يغيب عنهم أن هذه المشاعر لا تستطيع البقاء إذا فقدت البيئة السلوكية التي تحميها. فالحب لا يعيش إلا داخل منظومة من الصدق، والاحترام، وضبط الانفعال، والوفاء. وهذه المنظومة، على الرغم من أنها تعمل بصمت، هي التي تسمح للمشاعر بأن تستمر. فإذا انهارت، انهارت معها العلاقة، مهما بلغت قوة العاطفة في بدايتها.
ومن الناحية المعرفية، يبدو أن العقل يميل إلى الاقتصاد في الانتباه. فهو لا يخصص جهده لكل ما هو موجود، وإنما لما يعتقد أنه جديد أو متغير أو مهدد. أما ما يستمر في أداء وظيفته من دون اضطراب، فإنه ينسحب تدريجياً من دائرة الوعي، ويصبح جزءاً من “الطبيعي” الذي لا يحتاج إلى تفكير. ولهذا السبب، فإن كثيراً من أهم العوامل في حياتنا لا ينتبه إليها وعينا إلا بعد أن تتعطل أو تختفي. فنحن لا نشعر بقيمة القلب ما دام ينبض بصورة طبيعية، ولا بقيمة جهاز المناعة ما دام يؤدي عمله، ولا بقيمة الماء إلا عند انقطاعه، ولا بقيمة الثقة إلا عندما تنهار، ولا بقيمة العدالة إلا حين يسود الظلم. وكأن الإنسان لا يمنح الاعتراف إلا لما يعلن عن نفسه بالأزمة، أما ما يعمل بصمت فإنه “يُعاقَب” بالنسيان.
وهنا يكمن أحد أوجه القصور في كثير من نماذجنا التفسيرية. فهذه النماذج تنشغل بالأسباب المباشرة لأنها أكثر ظهوراً، بينما تهمل الشروط التمكينية التي جعلت تلك الأسباب قادرة على إنتاج آثارها. غير أن العلاقة بين الأمرين ليست علاقة مساواة؛ فقد يكون السبب المباشر عاجزاً عن إنتاج أي أثر إذا غاب الشرط الذي يمكّنه من العمل. فالبذرة لا تصبح شجرة لأنها بذرة فحسب، وإنما لأنها وجدت التربة، والماء، والضوء، والحرارة، والزمان المناسب. وكل واحد من هذه العناصر يعمل بوصفه شرطاً سابقاً لا مجرد عامل مساعد.
ولعل هذا ما يدعونا إلى إعادة النظر في الكيفية التي نحلل بها الظواهر. فبدلاً من أن نسأل دائماً: “ما السبب الذي أحدث هذه النتيجة؟”، قد يكون من الأجدر أن نسأل أولاً: “ما الذي جعل هذه النتيجة ممكنة أصلاً؟”. فالسؤال الأول يقودنا غالباً إلى العامل الظاهر، أما السؤال الثاني فيفتح أمامنا باب البحث عن الشروط الصامتة التي يعمل الواقع من خلالها.
إن كثيراً مما نسميه “العوامل المجهولة” ليس مجهولاً لأنه غامض أو مستحيل الإدراك، وإنما لأنه مألوف إلى درجة أننا توقفنا عن رؤيته. فما أخفاه عنا هو كثرة حضوره، وليس قلة ظهوره. ولذلك فإن إحدى علامات النضج المعرفي هي ليست أن نكتشف أسباباً جديدة فحسب، بل أن نتعلم رؤية ما ظل أمام أعيننا طوال الوقت، من غير أن ندرك أنه كان أحد أهم أسباب كل ما نراه.

أضف تعليق