
من بين جميع المفاهيم التي قام عليها كلٌ من الفلسفة والعلم، ربما لا يوجد مفهوم بدا أكثر رسوخاً من مفهوم السببية. فمنذ أن بدأ الإنسان يحاول فهم العالم، كان سؤاله الدائم هو: لماذا حدث هذا؟ وما هو السبب الذي أدى إلى حدوثه؟ ولم يكن التقدم العلمي، في جوهره، سوى محاولة متواصلة للكشف عن العلاقات السببية التي تربط الظواهر بعضها ببعض، حتى أصبح اكتشاف السبب مرادفاً، في كثير من الأحيان، لفهم الظاهرة نفسها. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: ما هو السبب؟ وإنما: هل ما زلنا نفهم معنى “السبب” كما ينبغي؟ قد يبدو هذا السؤال غريباً، لأن مفهوم السببية أثبت نجاحاً استثنائياً في تفسير عدد هائل من الظواهر الطبيعية والبايولوجية. لكن نجاح مفهوم ما لا يعني بالضرورة أن صورته الحالية هي الصورة النهائية التي لن تحتاج إلى مراجعة. فتاريخ العلم يعلمنا أن أكثر المفاهيم رسوخاً قد تضطر إلى إعادة تعريف نفسها كلما اتسع الواقع الذي نحاول فهمه.
ولعل هذا هو ما قد يحدث إذا تمكن العلم، في المستقبل، من التثبت من وجود فاعلين عاقلين غير بايولوجيين. ففي هذه الحالة لن يكون السؤال: كيف نفسر وجودهم؟ بل سيكون السؤال الأعمق: كيف ينبغي أن نعيد تعريف الفعل والفاعل والسببية نفسها؟
لقد اعتدنا، في فهمنا للعالم، على التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسة من الأسباب. فهناك الأسباب الفيزيائية، حيث تنشأ الظواهر عن تفاعلات المادة والطاقة وفق قوانين يمكن وصفها رياضياً. وهناك الأسباب البايولوجية، حيث ترتبط الظواهر بوظائف الكائنات الحية، وبنيتها، وتاريخها التطوري. ثم هناك الأسباب الإنسانية، حيث يدخل عنصر الإرادة والقصد والاختيار في إنتاج الفعل. وعلى الرغم من اختلاف هذه الأنماط، فإنها تشترك جميعاً في افتراض أساسي، مؤداه أن الفاعل، في النهاية، هو كيان بايولوجي أو مادي يخضع للبنية التي نعرفها. ولكن ماذا لو ثبت وجود فاعل عاقل لا ينتمي إلى هذا النموذج؟ إن مجرد طرح هذا السؤال يكشف أن مفهوم السببية الذي نستخدمه اليوم قد يكون أكثر ارتباطاً بالنموذج الذي عرفناه من ارتباطه بحقيقة السببية ذاتها. فربما لم نكن ندرس السببية في ذاتها، بل كنا ندرس الصورة التي تتجلى بها داخل العالم البايولوجي والمادي الذي نعيش فيه. ولو صح ذلك، فإن اكتشاف فاعلين غير بايولوجيين لن يضيف نوعاً جديداً من الكائنات فحسب، بل سيضيف نوعاً جديداً من الأسئلة: هل يُشترط بالسبب أن يكون مادياً؟ وهل يُشترط بالفاعل أن يكون جسماً؟ وهل الإرادة هي سبب قائم بذاته، أم أنها لا تكون سبباً إلا لأنها ترتبط بجهاز عصبي؟ وهل يمكن أن توجد فاعلية واعية لا تمر بالآليات التي نعرفها في الإنسان؟
إن هذه الأسئلة لم تكن مطروحة لأن الإنسان لم يكن يواجه، حتى الآن، سوى نموذج واحد معروف للفاعلية العاقلة، هو النموذج البايولوجي. غير أن محدودية الخبرة لا ينبغي أن تتحول إلى تعريف كوني للسببية. فلقد اعتدنا أن ننظر إلى السببية كما لو كانت علاقة ميكانيكية بين حدثين، أحدهما يؤدي بالضرورة إلى الآخر. ولكن هذا الوصف، على الرغم من نجاحه في عدد كبير من المجالات، قد لا يكون إلا أحد تجليات السببية، وليس حقيقتها الكاملة. فالإنسان نفسه يقدم مثالاً على أن السبب لا يكون دائماً مجرد تفاعل مادي. فحين يكتب شاعر قصيدة، أو يرسم فنان لوحة، أو يقرر عالم إجراء تجربة، فإن الحدث لا يُفهم كاملاً إذا اقتصرنا على وصف الحركات الفيزيائية أو التفاعلات الكيميائية التي صاحبت وقوعه. فنحن نلجأ، في هذه الحالات، إلى مفاهيم مثل القصد، والنية، والغاية، والاختيار. أي أننا ننتقل من وصف الحركة إلى تفسير الفعل. وهذا يكشف أن مفهوم السببية، حتى في الخبرة الإنسانية اليومية، هو أوسع من مجرد العلاقة الميكانيكية بين الأسباب والنتائج. فكيف سيكون الأمر إذا أصبحنا أمام فاعلين عاقلين لا ينتمون إلى العالم البايولوجي أصلاً؟ فأول ما سنكتشفه هو أن مفهوم الفاعل نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف. فلقد ربطنا الفاعل، عبر تاريخ طويل، بالجسم البشري، وبالجهاز العصبي، وبالتاريخ التطوري. ولكن هذه الشروط لم تُثبت أنها شروط عقلية مطلقة، بل أثبتت أنها الشروط التي ظهر فيها الذكاء البشري فحسب. أما إذا ظهر نموذج آخر للفاعلية، فإن تحويل هذه الشروط إلى تعريف نهائي للعقل سيصبح عبئاً على المعرفة، وليس أداة لها.
وهنا يبرز تحول فلسفي بالغ الدلالة. فلن يعود السؤال: ما الذي سبب هذا الحدث؟ بل قد يصبح: من الذي أحدثه؟ فالفرق بين السؤالين ليس لغوياً، ولكنه إبستمولوجي. فالأول يبحث عن سلسلة من التفاعلات. أما الثاني فيفتح الباب أمام إمكان وجود فاعلية واعية لا تُختزل في مجرد التفاعل. وهذا لا يعني التخلي عن السببية، بل يعني توسيع معناها. فالسببية، في هذه الحالة، لن تكون علاقة بين أحداث فحسب، بل قد تصبح علاقة بين فاعل وقصد وحدث. فنحن لن نلغي، إن فعلنا ذلك، القوانين الطبيعية، بل سنسأل إن كانت هذه القوانين تستنفد جميع صور الفاعلية الممكنة.
ولعل هذا يشبه ما حدث أكثر من مرة في تاريخ العلم. فحين ظهرت ظواهر جديدة، لم يكن المطلوب إلغاء المفاهيم القديمة، وإنما إعادة تحديد مجال صلاحيتها. وهذا ما قد يحدث مع السببية أيضاً. فقد يتبين لنا أن النموذج الذي نجح نجاحاً باهراً في تفسير الظواهر الفيزيائية والبايولوجية ليس هو النموذج الوحيد الممكن إذا اتسع مجال المعرفة ليشمل مستويات أخرى من الوجود. ومن هنا، فإن اكتشاف فاعلين غير بايولوجيين، إذا حدث، فإنه لن يكون مجرد إضافة معلومة جديدة إلى موسوعات العلم؛ إذ أنه سيجبر الفلسفة والعلم معاً على إعادة النظر في أحد أكثر مفاهيمهما المركزية ثباتاً ورسوخاً. وسندرك، عندئذ، أن السؤال لم يكن: هل توجد أسباب جديدة؟ بل كان: هل كنا نفهم السبب نفسه فهماً كاملاً؟ وهنا تتجلى المهمة الحقيقية لإبستمولوجيا الخوارق. فهي لا تدعو إلى هدم مبدأ السببية، فهو أحد أعمدة التفكير العلمي، وإنما تدعو إلى تحريره من الارتباط الحصري بالنموذج الذي ألفناه. فالسببية ليست ملكاً للعالم البايولوجي، كما أنها ليست حكراً على المادة كما نعرفها اليوم؛ إذ أنها مبدأ لفهم العلاقة بين الفاعل والفعل، أيّاً كانت طبيعة هذا الفاعل، مادام الدليل قد أثبت وجوده.
ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نستعد له من الآن؛ فإذا كان العلم قد اضطر، عبر تاريخه، إلى إعادة تعريف المكان، والزمان، والمادة، والطاقة، والحياة، فلِمَ نستبعد أن يأتي يوم يضطر فيه إلى إعادة تعريف السبب نفسه؟ غير أن السؤال، الذي يفرضه علينا التواضع الإبستمولوجي، هو ليس متى سيحدث ذلك، ولا إن كان سيحدث، وإنما: هل نملك من المرونة المعرفية ما يكفي لكي نعيد بناء أحد أقدم مفاهيمنا إذا كشف الواقع، يوماً، أنه أوسع مما تصورناه؟
إن مستقبل المعرفة لن يتحدد بما سنكتشفه من ظواهر جديدة فحسب، بل أيضاً بقدرتنا على مراجعة المفاهيم التي نظن اليوم أنها بلغت صورتها النهائية. وربما كان مفهوم السببية أول هذه المفاهيم التي سنكتشف أنها لم تكن خاطئة، ولكنها لم تكن مكتملة.
