ما الذي يجعل ظاهرةً ما ميتابايولوجية وليست بايولوجية؟

من بين أكثر الأخطاء التي تقع فيها العلوم الناشئة، غياب المعيار الذي يحدد موضوعها بدقة. فما إن يظهر حقل معرفي جديد حتى يبدأ بعض أنصاره بتوسيع نطاقه إلى الحد الذي يكاد يبتلع كل شيء، بينما يرفضه آخرون لأنه يبدو، في نظرهم، مجرد إعادة تسمية لموضوعات تدرسها علوم قائمة بالفعل. ولذلك فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يُطرح عند الحديث عن الميتابايولوجيا هو ليس: ما الذي تستطيع أن تفسره؟ وإنما: ما الذي يجعل ظاهرةً ما ميتابايولوجية أصلاً، وليست مجرد ظاهرة بايولوجية؟ فهذا السؤال لا يتعلق بالتصنيف فحسب، بل يتعلق بالمنهج نفسه. فكل علم يكتسب هويته من قدرته على تحديد مجال اختصاصه، لا من ادعائه تفسير أكبر عدد ممكن من الظواهر. ولذلك فإن الميتابايولوجيا لن تكون علماً مستقلاً إلا إذا امتلكت معياراً موضوعياً يبين أين تنتهي البايولوجيا، وأين يبدأ اختصاصها هي.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن كل ما يتعلق بالإنسان ينبغي أن يدخل في نطاق الميتابايولوجيا، لأنه الكائن الذي تتمحور حوله هذه المقاربة المعرفية الجديدة! غير أن هذا الاستنتاج سيكون خاطئاً. فالإنسان ما يزال، في معظم وظائفه الحيوية، كائناً بايولوجياً خالصاً. فجهازه الدوري، وجهازه التنفسي، وجهازه الهضمي، وجهازه المناعي، وآليات نموه وتناسله ووراثته، جميعها تخضع للقوانين نفسها التي تحكم بقية الكائنات الحية. ولا توجد حاجة إلى الميتابايولوجيا لتفسير نبض القلب، أو التئام الجروح، أو إفراز الهرمونات، أو انتقال الصفات الوراثية. وفي المقابل، فإن مجرد ظهور الظاهرة داخل الدماغ أو الجهاز العصبي لا يجعلها ميتابايولوجية أيضاً. فالدماغ عضو بايولوجي، وكثير من عملياته يمكن تفسيرها تفسيراً بايولوجياً كاملاً. ولذلك فإن مكان حدوث الظاهرة ليس هو المعيار الذي ينبغي الاعتماد عليه. كما أن تعقيد الظاهرة لا يصلح معياراً هو الآخر. فهناك ظواهر بايولوجية شديدة التعقيد، كالتخلق الجنيني أو تنظيم المناعة أو إصلاح الحمض النووي، ومع ذلك فإنها تبقى بايولوجية خالصة. وفي المقابل، قد تكون بعض الظواهر الميتابايولوجية بسيطة في صورتها الظاهرة، لكنها تكشف عن آلية مختلفة جذرياً في نشأتها. فما المعيار إذاً؟ إن المعيار الذي تقترحه الميتابايولوجيا لا يتعلق بالعضو، ولا بدرجة التعقيد، ولا حتى بكون الظاهرة بشرية أو غير بشرية، وإنما يتعلق بالآلية التي تُوَلِّد الظاهرة نفسها. فإذا كانت الظاهرة تنشأ من القوانين التي تحكم الاقتصاد الحيوي للكائن الحي، بحيث يمكن تفسيرها من خلال مفاهيم مثل البقاء، والتكيف، والانتقاء الطبيعي، وكفاءة الأداء، والاقتصاد في الطاقة والموارد، فإنها تبقى ظاهرة بايولوجية مهما بلغت درجة تعقيدها. أما إذا ظهرت ظاهرة لا يكفي هذا الإطار لتفسيرها، وأصبحت تستلزم وجود آلية جديدة لا يقتضيها الاقتصاد الحيوي نفسه، فإننا نكون قد انتقلنا إلى المجال الميتابايولوجي.
فالفرق الحقيقي بين المجالين هو ليس في موضوع الدراسة، وإنما في طبيعة النظام التفسيري المطلوب لفهمها.
ولعل أفضل طريقة لفهم ذلك هي إدراك أن الميتابايولوجيا لا تنكر الأصل البايولوجي للإنسان، بل تنطلق منه. فهي تفترض أن التجليات الميتابايولوجية لا تظهر في فراغ، وإنما تعتمد في وجودها على أجهزة بايولوجية ورثها الإنسان من تاريخه التطوري الطويل. غير أن هذه الأجهزة بدأت تؤدي وظائف جديدة لم تكن القوانين البايولوجية وحدها كافية لتفسيرها. وبعبارة أخرى، فإن التجلي قد يكون ميتابايولوجياً، في حين تبقى الآلة التي يتجلى من خلالها بايولوجية المنشأ.
وهذا يشبه تماماً العلاقة بين البرمجيات والحاسوب. فالحاسوب جهاز مادي، وتخضع مكوناته لقوانين الفيزياء والإلكترونيات، ولكن تفسير سلوك برنامج معقد لا يكتمل بمجرد دراسة الترانزستورات والدوائر الكهربائية. فسلامة الجهاز شرط لعمل البرنامج، لكنها ليست تفسيراً لمنطقه الداخلي. وكذلك الإنسان؛ فالبايولوجيا تفسر الجهاز الذي تعمل من خلاله الظاهرة، أما الميتابايولوجيا فتبحث في الآلية التي تجعل ذلك الجهاز ينتج أنماطاً جديدة من الأداء لا يفرضها الاقتصاد البايولوجي وحده.
ولهذا السبب، فإن العلاقة بين العلِمين هي ليست علاقة تنافس على الظواهر نفسها، وإنما علاقة تكامل في مستويات التفسير. فكل ظاهرة ينبغي أن تبدأ رحلتها التفسيرية داخل البايولوجيا، فإن استطاعت البايولوجيا أن تقدم تفسيراً كاملاً ومتسقاً، انتهى البحث عند هذا الحد. أما إذا بقي في الظاهرة عنصر لا يستطيع النموذج البايولوجي تفسيره من دون افتراضات إضافية أو استثناءات متكررة، فإن ذلك لا يكون دليلاً على خطأ البايولوجيا، وإنما مؤشراً إلى أن الظاهرة قد بلغت حدود اختصاصها، وأصبحت بحاجة إلى إطار تفسيري آخر.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل بحث في الإنسان هو ليس: هل هذه الظاهرة بشرية؟ ولا: هل تقع داخل الدماغ؟ ولا: هل هي معقدة؟ وإنما هو سؤال واحد أكثر دقة: هل تستطيع القوانين التي تفسر الحياة الطبيعية أن تفسر هذه الظاهرة تفسيراً كاملاً؟ فإذا كان الجواب نعم، بقيت الظاهرة بايولوجية. أما إذا كان الجواب لا، وكان القصور نابعاً من حدود النموذج نفسه لا من نقص المعلومات، فإننا نكون قد دخلنا المجال الذي تبدأ عنده الميتابايولوجيا.
ولعل هذا هو المعيار الذي يمنح الميتابايولوجيا هويتها العلمية؛ فهي لا تُعرَّف بموضوعها، وإنما بالحدود التي يبدأ عندها احتياج المعرفة إلى مستوى تفسيري جديد، تماماً كما لم تُعرَّف ميكانيكا الكم بأنها تدرس “أشياء صغيرة”، بل بأنها تقدم الإطار التفسيري الذي يصبح ضرورياً عندما تبلغ الفيزياء الكلاسيكية حدود قدرتها على التفسير.

أضف تعليق