
من بين أكثر المفارقات الأخلاقية إثارةً للتأمل، أن كثيراً من الناس لا يبحثون عن العدالة بقدر ما يبحثون عن عدالةٍ تخصهم هم وحدهم. فهم يرفعون أصواتهم عالياً حين يقع الظلم على الجماعة التي ينتمون إليها، أو الطبقة التي يمثلونها، أو العرق الذي ينتسبون إليه، أو الجنس الذي يرون أنفسهم جزءاً منه، لكنهم كثيراً ما يصمتون، أو يبررون، أو يغضون الطرف، حين يقع الظلم نفسه على غيرهم. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: من هو المظلوم؟ وإنما: هل نؤمن حقاً بالعدالة بوصفها مبدأً كلياً، أم أننا لا نؤمن إلا بعدالةٍ انتقائية لا تتجاوز حدود هوياتنا؟
إن العدل، إذا كان عدلاً حقاً، لا يعرف عرقاً ولا ديناً ولا طبقة ولا جنساً ولا قومية. فهو لا يسأل أولاً: من وقع عليه الظلم؟ وإنما يسأل: هل وقع ظلم أم لم يقع؟ أما حين تصبح هوية الضحية هي التي تحدد مقدار تعاطفنا، فإننا لا نكون قد دافعنا عن العدالة، بل عن أنفسنا متنكرين في لباس العدالة. ولذلك فإن الذي يطالب برفع الظلم عن العرق الذي ينتمي إليه، بينما لا يكاد يلتفت إلى أعراق أخرى تتعرض للاضطهاد نفسه، لا يختلف، من حيث المبدأ، عن الذي ينادي بالعدالة الاجتماعية حين يتعلق الأمر بطبقته، ثم يصمت أمام احتلال الشعوب، أو استعباد الأمم، أو تجويع المجتمعات، أو نهب ثرواتها. فالقضية هي ليست في نوع الظلم، وإنما في الانتقائية التي تحدد أي ظلم يستحق أن يُدان وأي ظلم يجوز السكوت عنه. وكذلك الحال في الخطابات التي تختزل العالم في مظلمة جنس واحد، وكأن الظلم قد اختار اصحابها من جنس دون آخر. فليس في العالم فئة بشرية احتكرت الألم، ولا جماعة انفردت بالمعاناة. بل إن الظلم يتخذ صوراً لا تكاد تُحصى؛ فقد يكون سياسياً، أو اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو ثقافياً، أو قانونياً، أو بيئياً، أو معرفياً. ومن العبث أن يظن الإنسان أن أشد هذه المظالم إلحاحاً هو ذلك الذي يمس هويته الشخصية وحدها. بل إن دائرة الظلم نفسها لا تقف عند الإنسان. فالإنسان الذي يرفع شعار العدالة، ثم يشارك في تلويث الهواء، وتسميم المياه، وإفساد التربة، وتدمير الأنظمة البيئية التي تقوم عليها حياة الأجيال القادمة، لا يستطيع أن يزعم أنه يحمل مشروعاً أخلاقياً شاملاً. فالعدالة ليست علاقة بين البشر وحدهم، وإنما هي أيضاً علاقة الإنسان بالعالم الذي ائتمنه الله عليه. وما أشد التناقض بين من يطالب بحقوق الإنسان، ثم يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إفساد البيئة التي لا قيام لحياة الإنسان إلا بها.
فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في أن الإنسان يدافع عن قضيته، فمن الطبيعي أن يبدأ الإنسان بما يمسه مباشرة، وإنما تبدأ المشكلة حين يتوهم أن قضيته هي القضية الوحيدة، أو أن مظلمته أعظم من كل المظالم، أو أن سكوته عن الظلم الواقع على غيره لا ينتقص من صدقه الأخلاقي. فالعدالة لا تتجزأ، كما أن الظلم لا يصبح مشروعاً لمجرد أنه أصاب غيرنا.
ولهذا فإن كثيراً من الخطابات التي تتحدث باسم العدالة هي ليست، في حقيقتها، سوى خطابات هوية. فهي لا تنطلق من مبدأ أخلاقي عام، وإنما من انتماء خاص، ثم تبحث عن الأدلة التي تخدم ذلك الانتماء. ولذلك تراها شديدة الحساسية تجاه نوع معين من الظلم، وشديدة البرود تجاه أنواع أخرى لا تقل عنه فداحة، لأنها لا تمس الجماعة التي تتحدث باسمها.
إن أخطر ما في العدالة الانتقائية أنها تمنح صاحبها شعوراً زائفاً بالتفوق الأخلاقي. فهو يظن أنه يقف في صف المظلومين، بينما هو، في الحقيقة، قد أصبح شريكاً في ترسيخ الظلم، لأنه جعل مقاومته له خاضعة لمعيار الهوية لا لمعيار الحق. وما دام الإنسان لا يغضب إلا لما يصيب قومه، أو طبقته، أو عرقه، أو جنسه، فإنه لم يتحرر بعد من أسر الانتماء الضيق، مهما أكثر من ترديد شعارات الإنسانية.
إن العدالة ليست امتحاناً لقدرتنا على الدفاع عن أنفسنا، وإنما هي امتحان لقدرتنا على الدفاع عن غيرنا أيضاً، ولا سيما حين لا يجمعنا بهم عرق، ولا دين، ولا وطن، ولا مصلحة. ففي تلك اللحظة فقط يتبين ما إذا كنا نؤمن بالعدل لذاته، أم أننا لا نستخدمه إلا حين يخدم مصالحنا.
ولعل من أكثر ما يحتاج إليه عالمنا اليوم هو ليس مزيداً من الجماعات التي تتنافس في إثبات أن مظلمتها هي الأكبر، وإنما مزيداً من البشر الذين يرفضون الظلم أينما كان، وعلى أي إنسان وقع، وبأي صورة تجلى. فحين يصبح ميزاننا هو العدالة نفسها، لا هوية الضحية، نكون قد اقتربنا من الأخلاق. أما حين يصبح معيارنا هو الانتماء، فإننا لا نكون قد غادرنا منطق العصبية، وإنما منحناه اسماً أكثر أناقة. فالذي يطالب بالعدالة لقومه، ثم يسكت عن الظلم الواقع على غيرهم، ليس نصيراً للعدل، بل نصيرٌ لقومه. والذي يثور لطبقته، ثم يغض الطرف عن استعباد الشعوب، ليس ثائراً على الظلم، بل على ما يمسه شخصياً. والذي يرى معاناة جنسه وحده، ويتعامى عن سائر صور الظلم المنتشرة في العالم، لم يجعل العدالة مبدأً، بل جعلها امتيازاً. أما العدل الحقيقي، فلا يعرف هذه الانتقائية؛ لأنه لا يسأل: من هو الضحية؟ بل يسأل سؤالاً واحداً: هل وقع ظلم؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد أصبح الوقوف ضده واجباً، بصرف النظر عن هوية المظلوم وهوية الظالم.
