
في العقود الأخيرة، انتعشت الأدبيات التي تحاول إعادة قراءة علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوان تحت شعارات من قبيل “العودة إلى الأصل” أو “فهم الآخر غير البشري”. ويأتي كتاب Our Wild Familiars ضمن هذه الموجة التي تطرح أطروحة جاذبة في ظاهرها، مفادها أن الحيوان ليس مجرد هامش في التاريخ البشري، بل هو المصمم الحقيقي والفاعل الأول الذي شكل عالم الإنسان وعيه، ولغته، وحضارته. غير أن القراءة الفاحصة لهذا الطرح تكشف سريعاً عن مأزق منهجي وأخلاقي عميق: فالمؤلف، وإن تحمس لمنح الحيوان “الفاعلية”، قد سقط في انحياز ذاتي صريح يتعارض مع أدنى متطلبات البحث العلمي والموضوعية، ليقدم لنا رؤية مبنية على حسن الظن بالإنسان، وعلى إخفاء متعمد لتاريخ طويل من المظالم.
يسعى الكتاب لترسيخ مقولة “الحيوان هو من شَكَّل عالم الإنسان”. وتجلت مبررات المؤلف في تتبع أثر الحيوان في الفن الأول (رسومات الكهوف)، واللغة الرمزية، وتطوير أسلوب الحياة والتنقل. ولكن، هل تشكيل العالم هنا كان فعلاً بذاتية حيوانية؟ أم أنه كان مجرد استجابة بشرية لمثيرات البيئة؟ إن القول بأن الحيوان هو من “شَكَّل” عالم الإنسان يخلط بين الكائن الفاعل (Agent) والموضوع الذي يستجيب له العقل البشري. فالحيوان لم يتطوع لتعليم الإنسان الرسم أو الصيد، بل أن العقل البشري هو من ضَمَّن صورة الحيوان لتلبية احتياجاته الخاصة. وبذلك، يظل هذا “التشكيل” مدفوعاً بوعي إنساني بحت، وليس بفعل حيواني مستقل كما يوهمنا العنوان الفرعي.
ويدعي التيار الذي يمثله الكاتب السعي نحو كسر “المركزية البشرية”، لكنه يتورط فيها من حيث لا يدري. فالكتاب يقرأ الحيوان طوال الوقت من خلال:
1. المنفعة المعرفية والرمزية: ما الذي قدمه الحيوان لعقل الإنسان؟
2. الإسقاط الذاتي: تفسير سلوكيات الكائنات بلغة المفاهيم والرغبات البشرية.
ولكن، لو قُدر للحيوان أن يصوغ تاريخه الخاص مع الإنسان، لما اتفق إطلاقاً مع طروحات المؤلف؛ فلن يرى في هذه العلاقة “شراكة إبداعية” أو “تشكيلاً حضارياً”، بل سيراها تاريخاً متواصلاً من الاستعمار البيئي، وسلب الفضاء الطبيعي، والهندسة الجينية القسرية لتلبية أغراض الإنسان. إن الكتاب صِيغ بحبر إنساني خالص، يدعي التحدث باسم الآخر دون أن يمنحه حق قول الحقيقة.
إن أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للدهشة هو تغافله المريب عن المظالم التاريخية وليست التوصيفية فحسب التي تعرض لها الحيوان على يد الإنسان. كما ويسود الكتاب نَفَسٌ رومانسي حالم يركز على علاقة “التكافل البدائي”، بينما يغض الطرف عن:
• التسليع الصناعي: تحويل الكائنات الحية في الحداثة إلى مجرد وحدات إنتاجية في المزارع والمختبرات.
• الانقراض الجماعي: تدمير الموائل الطبيعية باسم التنمية والتوسع.
والأنكى من ذلك، أن المؤلف يمر مروراً عابراً على كيف استغل الإنسان أثمن أدواته، الدين والفلسفة والعلم، لتسويغ هذه السيطرة:
• دينياً: وذلك عبر تأويل مفاهيم الاستخلاف والتسخير كحق مطلق للسيطرة.
• فلسفياً: وذلك عبر تجريد الحيوان من العقل والوعي (وذلك كما في قول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: “ما الحيوان إلا آلة لا عقل لها”).
• علمياً: وذلك عبر إسباغ غطاء الضرورة البيولوجية والتقدم الطبي على ممارسات الإخضاع.
هذا التجاهل يُخرِج العمل من نطاق البحث العلمي المتجرد، ليضعه في خانة التجميل الأخلاقي (Whitewashing) لتاريخ قاسٍ لا يمكن تغطيته بجمالية النصوص شعرية.
ولكن، ولكي يستقيم هذا الطرح مع روح البحث العلمي والموضوعية النقدية، كان حرياً بالكاتب أن يؤسس محاور كتابه بناءً على تفكيك متوازن للعلاقة بين الانسان والحيوان، بعيداً عن الرومانسية والانحياز، وذلك عبر أربعة أركان أساسية:
1. التطور المزدوج والتأثير المتبادل: دراسة التفاعل البيئي دون منح طرف سلطة “تشكيل” الطرف الآخر بأسلوب أدبي غير علمي.
2. تاريخ الهيمنة والتحول: تتبع المسار التاريخي للحيوان من كائن مشارك في الفضاء البيئي إلى سلعة مُصنّعة في عصر الحداثة.
3. بنيوية التسويغ: تفكيك المنظومات المعرفية (الفلسفية والعلمية والدينية) التي صممت لتبرير السيطرة والعنف ضد الكائنات الحية.
4. عالَم الحيوان المستقل: محاولة فهم الحيوانات بناءً على بيئتها واحتياجاتها الذاتية، لا بناءً على قيمتها الوظيفية أو الجمالية للإنسان.
إن كتاب Our Wild Familiars يمثل نموذجاً صارخاً للكتب التي تضحي بالمنهجية العلمية والنزاهة الأخلاقية على مذبح الشغف الذاتي والانحياز الإنساني. فهذا الكتاب يتناسى أن الاعتراف الفعلي بالحيوان لا يكون بتقديمه كـ “ملهم” أو “صانع” للحضارة البشرية وذلك لتجميل صورتنا، بل بالاعتراف بوجوده المستقل، ومواجهة المظالم التاريخية التي ألحقها به العقل البشري، والتوقف عن صياغة تاريخ الطبيعة بنرجسية لا ترى في الكون إلا مرآة للإنسان.
