القرآن الكريم… منهاجٌ تعبدي لتحرير الإنسان من سلطان الفوائض الثلاث

من بين أكثر الأسئلة التي لم تُطرح بالقدر الكافي عند دراسة العبادات في القرآن الكريم، سؤالٌ يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يمس جوهر الدين نفسه: لماذا صُمم المنهاج التعبدي القرآني بهذه الصورة تحديداً؟ ولماذا اجتمعت فيه الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وغض البصر، والعفة، والإحسان، والصبر، والعفو، وسائر المنظومة الأخلاقية؟ هل هي عبادات مستقلة لا يجمع بينها سوى كونها أوامر إلهية؟ أم أن وراءها وحدةً بنيويةً تجعلها أجزاءً من مشروع واحد يؤدي وظيفة محددة؟
تقترح المقاربة الميتابايولوجية جواباً مختلفاً عن معظم المقاربات التقليدية. فهي تنطلق من أن الإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، لم يعد مجرد جهاز بايولوجي يعمل وفق قانون اقتصاد الطبيعة كما هو حال الحيوان، وإنما أصبح واقعاً تحت سلطان ثلاث قوى كبرى يمكن تسميتها: فائض التمثل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. وهذه الفوائض ليست مجرد غرائز إضافية، وإنما منظومات تُولِّد باستمرار تمثلات ورغبات ودوافع تتجاوز ما تقتضيه الحاجة البايولوجية، فتجعل الإنسان يعيش في كثير من الأحيان أسيراً لما ينتجه ذهنه أكثر مما يعيش وفق مقتضيات الواقع.
ومن هنا فإن الحرية الحقيقية، في المنظور القرآني، لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء، وإنما أن يصبح قادراً على ألا يفعل ما تمليه عليه هذه الفوائض كلما أرادت أن تستعبده. فالإنسان الذي لا يستطيع مقاومة صورة ذهنية، أو نزعة عدوانية، أو رغبة جنسية منفلتة، لا يكون حراً، مهما ظن نفسه كذلك؛ إذ أنه يعيش تحت سلطة داخلية قد تكون أشد إحكاماً من أي سلطة خارجية.
وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى القرآن الكريم بوصفه منهاجاً تعبدياً متكاملاً صُمم بعناية ليقود الإنسان، خطوةً بعد خطوة، إلى التحرر من هذه السلطات الثلاث. فالعبادات ليست غايات مستقلة، وإنما هي وسائل تربوية وعلاجية تعمل معاً ضمن منظومة واحدة، بحيث يؤدي كل جزء منها وظيفة محددة في إعادة تشكيل الإنسان من الداخل.
فالصلاة، بما تتضمنه من حضور دائم بين يدي الله، ومن تكرار منتظم يقطع تيار الانشغال بالتمثلات، تؤدي دوراً أساسياً في إضعاف سلطان فائض التمثل. فهي تعيد توجيه الانتباه باستمرار من العالم الذي يصنعه الخيال إلى الحقيقة العليا التي ينبغي أن يكون الإنسان متعلقاً بها. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يصف القرآن الكريم الصلاة بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ لأن الإنسان الذي يتعلم التحرر من سيل تمثلاته يصبح أقل قابلية للانقياد وراءها.
أما الصيام، فهو من أوضح الأمثلة على تدريب الإرادة على استعادة موقع القيادة. فالإنسان يمتنع، بإرادته الحرة، عن الطعام والشراب والجنس، مع أنها مباحة له في الأصل. وليس المقصود من ذلك تعذيب الجسم، وإنما إثبات أن الإرادة تستطيع أن تكون هي صاحبة القرار، لا الرغبة نفسها. فالصيام لا يحارب الغريزة، وإنما يحرر الإنسان من أن يكون عبداً لها.
وفي الزكاة والصدقة، يتعرض فائض التمثل هو الآخر لضربة من نوع مختلف. فالمال، في كثير من الأحيان، ليس مجرد وسيلة للعيش، بل يتحول إلى تمثل نفسي للنفوذ والأمان والهوية والمكانة الاجتماعية. ولذلك فإن الإنفاق ليس مجرد نقل للمال من يد إلى أخرى، وإنما هو تدريب عملي على كسر التعلق النفسي الذي يصنعه فائض التمثل حول الملكية.
أما الحج، فهو إعادة تشكيل شاملة للإنسان عبر إخراجه من كثير من الرموز التي اعتاد أن يُعرف نفسه بها. فالناس يلبسون لباساً واحداً، ويؤدون شعائر واحدة، ويتخلون مؤقتاً عن كثير من مظاهر الامتياز الاجتماعي، ليعيشوا تجربة عملية تعيد تعريف الإنسان بعيداً عن تمثلات المكانة والتفاضل.
ويمتد الأمر إلى المنظومة الأخلاقية كلها. فالعفو، وكظم الغيظ، والإحسان إلى المسيء، وضبط اللسان، والعدل مع الخصوم، كلها ليست مجرد فضائل أخلاقية، وإنما هي تمارين يومية، وعلى مدار الساعة، تعمل على إضعاف فائض العدوان الذي يدفع الإنسان إلى الانتقام والتشفي والهيمنة وإلحاق الأذى بالآخرين. فهذه العبادات كلها جميعاً تعيد توجيه القوة الإنسانية من التدمير إلى البناء.
وكذلك الحال في الأحكام المتعلقة بالعفة، وغض البصر، وتحريم الزنا، وتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وتشريع الزواج، فإنها لا تقوم على رفض الغريزة الجنسية أو إنكارها، وإنما على تحرير الإنسان من أن يصبح أسيراً لها. فالقرآن العظيم لا يلغي الجنس، بل يعيد وضعه في حدوده الطبيعية، بحيث يبقى وسيلة لتحقيق المقاصد التي خُلق لها، لا أن يتحول إلى قوة تستعبد الإنسان وتوجه حياته كلها.
وهكذا تتكشف أمامنا وحدة عميقة بين جميع مكونات المنهاج التعبدي القرآني. فما يبدو لأول وهلة عبادات متفرقة، يتبين عند النظر إليها من هذه الزاوية أنها أجزاء منظومة علاجية واحدة، تعمل على ثلاثة محاور متكاملة هي: تفكيك سلطان فائض التمثل، وكبح اندفاع فائض العدوان، وتحجيم هيمنة فائض الجنس. وكل عبادة تضيف لبنة جديدة في مشروع طويل الأمد هدفه إعادة بناء الإنسان من الداخل.
ومن هنا يمكن القول إن الدين، وفقاً لهذا التصور، ليس مجرد وسيلة للفوز بالآخرة، ولا مجرد نظام أخلاقي لتنظيم المجتمع، وإنما هو أيضاً برنامج علاجي لإعادة تأهيل الإنسان نفسه. فالدين هو منهاج يهدف إلى تحرير إرادة الإنسان من السلطات الداخلية التي استعبدتها، حتى يصبح الإنسان قادراً على أن يختار الخير لأنه اختاره حقاً، لا لأنه أُكره عليه من داخل نفسه.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للعبودية لله سبحانه وتعالى. فليست العبودية لله نقيض الحرية، بل هي الطريق إليها. وذلك لأن الإنسان لا يخرج من عبودية شيء إلا إذا دخل في عبودية الحق المطلق. وكلما ازداد خضوعه لله، ضعفت سلطة الفوائض الثلاث عليه، حتى يغدو سيداً لنفسه بعد أن كان أسيراً لها. وعندئذ فقط يقترب الإنسان من صورته التي أرادها الله له: كائناً يملك غرائزه ولا تملكه، ويوجه تمثلاته ولا تضلله، ويستخدم قواه ولا يخضع لسلطانها. وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى المنهاج التعبدي القرآني بوصفه أعظم مشروع لتحرير الإنسان عرفه التاريخ؛ لأنه لا يكتفي بتحريره من الطغاة الخارجيين، بل يبدأ أولاً بتحريره من الطاغية الذي يسكن داخله.

أضف تعليق