هَوَس الإنسان بالخيال السلبي… الـ (Cosplay) مثالاً

من بين أكثر الظواهر التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية، ربما لا توجد ظاهرة تستحق التأمل أكثر من الطريقة التي يستخدم فيها خياله. فالخيال، من حيث المبدأ، ليس خاصية إنسانية خالصة؛ إذ تشير شواهد كثيرة إلى أن الحيوانات تمتلك شكلاً من أشكال التوقع والتمثل الذهني الذي يساعدها على الصيد، أو الهروب، أو التخطيط لحركاتها المقبلة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل الإنسان وحده يملك الخيال؟ وإنما: ما الذي يميز خيال الإنسان عن خيال الحيوان؟ فالحيوان، حين يستخدم خياله، فإنه يستخدمه في حدود ما تقتضيه وظيفته البايولوجية. فهو يتوقع حركة الفريسة قبل وقوعها، أو يتنبأ بمسار الخطر، أو يختبر، ذهنياً، سلسلة من الاحتمالات التي تزيد فرص بقائه. فالخيال هنا ليس غايةً في ذاته، وإنما هو أداة وظيفية تزيد من كفاءة الجهاز البايولوجي. ولهذا يمكن أن نسميه “الخيال الإيجابي”، لأنه ينسجم تمام الانسجام مع قانون اقتصاد الطبيعة، الذي لا يسمح بإنفاق الوقت والطاقة إلا فيما يزيد فرص النجاح والبقاء. ولا يقتصر هذا النوع من الخيال على الحيوان. فالإنسان أيضاً يمارسه عندما يضع خطةً علمية، أو يصمم اختراعاً، أو يرسم مشروعاً هندسياً، أو يكتب برنامجاً حاسوبياً، أو يتخيل عملاً فنياً قبل إنجازه. ففي جميع هذه الحالات يؤدي الخيال وظيفةً إنتاجية، إذ يتحول إلى وسيلة لإيجاد شيء جديد أو حل مشكلة قائمة أو تحقيق منفعة حقيقية. غير أن الإنسان لا يقف عند هذا الحد، فهو يمتلك قدرةً أخرى تكاد تكون بلا نظير في العالم البايولوجي، وهي قدرته على استثمار معظم طاقته التخيلية في ما يمكن أن نطلق عليه “الخيال السلبي”؛ والمقصود بذلك ليس الخيال الذي يتناول موضوعات حزينة أو مخيفة، وإنما الخيال الذي لا يحقق أي منفعة وظيفية، ولا يزيد من فرص البقاء، ولا يحل مشكلة، ولا ينتج معرفة، ولا يطور أداءً، بل يستهلك الوقت والجهد والانفعال في بناء عوالم لا وظيفة لها سوى إشباع الحاجة إلى العيش داخلها.
ولعل هذا هو أحد أهم الفروق بين الإنسان والحيوان. فالحيوان يغادر خياله فور انتهاء الحاجة إليه، أما الإنسان فكثيراً ما يغادر الواقع ليقيم داخل خياله. ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة في عصرنا انتشار ما يعرف بالـ Cosplay، حيث لا يكتفي بعض الناس بتخيل شخصيات خيالية، أو الاستمتاع بقراءتها أو مشاهدتها، بل يسعون إلى إعادة تجسيدها مادياً، فيقلدون ملابسها، وهيئاتها، وأسلوب حديثها، وحركاتها، بل ويحاول بعضهم أن يعيش، ولو مؤقتاً، داخل العالم الذي تنتمي إليه تلك الشخصية. وليس المقصود هنا إصدار حكم أخلاقي على هذه الممارسة، ولا إنكار ما قد تحمله لبعض المشاركين فيها من متعة أو ترفيه أو إبداع في تصميم الأزياء وصناعتها. وإنما المقصود هو طرح سؤال تفسيري أكثر عمقاً: ما الذي يجعل الإنسان يشعر بحاجة إلى نقل عالم متخيل إلى أرض الواقع، مع علمه الكامل بأنه عالم لا وجود له؟
إن البايولوجيا التطورية تستطيع أن تفسر لنا لماذا يتخيل الحيوان مكان الفريسة قبل الانقضاض عليها، لأن هذا يزيد فرص بقائه. لكنها تجد صعوبةً بالغة في تفسير لماذا ينفق إنسان مئات الساعات، وآلاف الدولارات أحياناً، ليصبح نسخةً من شخصية يعلم يقيناً أنها لم توجد قط، ثم يشعر بالرضا كلما اقترب منها أكثر. فأين “المنفعة البايولوجية المباشرة” في ذلك؟ وأي “ضغط انتقائي (Selective pressure)” يمكن أن يكون قد أنتج مثل هذا السلوك؟
وهنا تبدو الحاجة إلى إطار تفسيري يتجاوز حدود البايولوجيا التقليدية. فإذا كان الإنسان هو الكائن الذي يعيش داخل التمثلات بقدر ما يعيش داخل الواقع، فإن كثيراً من سلوكياته لن تُفهم بالرجوع إلى حاجاته البايولوجية وحدها، وإنما بالرجوع إلى حاجته إلى بناء عوالم رمزية يسكنها ذهنياً، ثم محاولة تحويل تلك العوالم إلى جزء من واقعه. ومن هذا المنظور، لا يصبح الـ Cosplay ظاهرةً معزولة، بل يصبح مثالاً واحداً ضمن سلسلة طويلة من الظواهر التي تكشف تعلق الإنسان بتمثلاته. فكم من إنسان يعيش داخل صورة ذهنية عن نفسه أكثر مما يعيش ذاته الحقيقية، وكم من جماعة تدافع عن رموزها المتخيلة أكثر مما تدافع عن مصالحها الواقعية، وكم من إيديولوجيا قامت على صور ذهنية أصبحت، مع الزمن، أشد حضوراً من الوقائع نفسها. فالمشكلة لا تبدأ عندما يتخيل الإنسان، بل عندما يتحول الخيال من وسيلة إلى موطن، ومن أداة إلى بديل، ومن مرحلة عابرة إلى عالم دائم. فعندئذٍ لا يعود الواقع هو الذي يشكل الخيال، بل يصبح الخيال هو الذي يعيد تشكيل الواقع.
ولعل هذا هو ما يجعل الإنسان أكثر الكائنات قدرةً على الإبداع، وفي الوقت نفسه أكثرها قابليةً للوقوع في أسر أوهامه. فالمَلَكة التي أنتجت العلوم، والفنون، والحضارات، هي نفسها التي أنتجت الأساطير، والإيديولوجيات المغلقة، والعداوات المتخيلة، والعوالم التي لا وجود لها إلا في ذهن الإنسان.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي هو ليس: لماذا يتخيل الإنسان؟ فهذا السؤال قد أجابت عنه البايولوجيا إلى حد بعيد، وإنما السؤال الذي ما زال ينتظر إجابة هو: لماذا يصر الإنسان على العيش داخل ما يتخيله، حتى عندما لا يعود عليه ذلك بأي منفعة بايولوجية أو عملية؟ وإذا كانت الطبيعة تقوم على اقتصاد صارم للطاقة والجهد، فمن أين جاءت هذه القدرة الفريدة على تبديدهما في خدمة عوالم لا وجود لها إلا داخل فائض التمثل؟ وربما كان هذا السؤال، أكثر من أي سؤال آخر، يكشف لنا أن الظاهرة الإنسانية لا تزال تتجاوز ما تستطيع البايولوجيا التطورية تفسيره وحدها، وأن فهم الإنسان يقتضي إطاراً معرفياً أوسع، لا يدرس أعضاءه فحسب، بل يدرس أيضاً العالم الذي يصنعه داخل رأسه، ثم يحاول أن يحوله إلى العالم الذي يعيش فيه.

أضف تعليق