الإنسان والحيوان بين العلم والإيديولوجيا… لماذا نحتاج إلى مقاربة ميتابايولوجية؟

من بين أكثر الاتجاهات التي شهدت انتشاراً خلال العقود الأخيرة، ذلك الاتجاه الذي يعيد قراءة العلاقة بين الإنسان والحيوان بوصفها علاقة استمرارية شبه كاملة، حتى باتت المؤلفات والأبحاث، بل وحتى المقالات الموجهة إلى القارئ العام، تتحدث عن الإنسان بوصفه مجرد حيوان يتمتع بدرجة أعلى من التعقيد، لا أكثر. ولم يقتصر هذا الاتجاه على الدراسات الأكاديمية، بل وجد طريقه أيضاً إلى الأدبيات ذات الطابع الرومانسي البيئي، التي تدعو إلى إزالة جميع الحدود الفاصلة بين الإنسان وسائر الكائنات الحية، انطلاقاً من تصور أخلاقي يرى أن كل تمييز نوعي للإنسان ليس إلا شكلاً من أشكال “المركزية البشرية” التي ينبغي التخلص منها. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل توجد أوجه تشابه بين الإنسان والحيوان؟ فهذا أمر لا يكاد يجادل فيه أحد. وإنما السؤال الأعمق هو: هل تسمح البيانات العلمية نفسها بالقفز من إثبات التشابه إلى إنكار التمايز النوعي؟ أم أن هذا الانتقال لا يتم إلا بإضافة مقدمات إيديولوجية لا تنتمي إلى البيانات ذاتها؟
إن المنهج العلمي، في صورته الصارمة، لا يبدأ من النتائج التي يرغب في الوصول إليها، وإنما يبدأ من الوقائع كما هي. فهو لا يمنح الباحث الحق في تفسير البيانات بما ينسجم مع قناعاته الفلسفية، ولا مع ميوله الأخلاقية، ولا مع رؤيته السياسية أو البيئية، وإنما يطالبه بأن يلتزم بالمعنى الحرفي للبيانات، وأن يقبل بما تفرضه عليه، سواء وافق توقعاته أم خالفها.
غير أن كثيراً من الدراسات المعاصرة المتعلقة بالعلاقة بين الإنسان والحيوان لم تعد تلتزم بهذا الشرط المنهجي بالدرجة الكافية. فهي كثيراً ما تبدأ من افتراض مسبق مفاده أن الإنسان ليس إلا امتداداً للحيوان، ثم تتحول عملية البحث إلى محاولة متواصلة لاكتشاف كل ما يؤيد هذا الافتراض، بينما تُهمَّش أو تُعاد صياغة أو تُفسَّر بعيداً عن معناها المباشر كل الظواهر التي قد تشير إلى وجود “قطيعة نوعية” بينهما.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: فوجود تشابهات تشريحية، أو جينية، أو عصبية، أو سلوكية بين الإنسان والحيوان، لا يستلزم منطقياً انتفاء وجود “اختلاف نوعي” بينهما. فالاشتراك في أجزاء من البنية لا يعني بالضرورة الاشتراك في طبيعة النظام كله. والتاريخ العلمي مليء بأنظمة تتشابه في كثير من مكوناتها، لكنها تختلف اختلافاً جذرياً في طريقة عملها والنتائج التي تنتجها. ومن هنا فإن السؤال العلمي الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كم تبلغ نسبة التشابه بين الإنسان والحيوان؟ وإنما: هل هناك جوانب في الظاهرة الإنسانية لا تستطيع هذه التشابهات تفسيرها؟
وهنا تبدأ الميتابايولوجيا عملها. فالتمييز الذي تقترحه الميتابايولوجيا لا يقوم على إنكار البايولوجيا، ولا على التقليل من شأنها، وإنما على الاعتراف بحدودها التفسيرية. فهي تقر بأن الإنسان كائن بايولوجي من حيث تكوينه الجسمي ووظائفه العضوية، لكنها ترى أيضاً أن ثمة جوانب من الظاهرة الإنسانية لا يمكن ردها إلى البايولوجيا وحدها، مهما بلغت دقة تفسيرها. فاللغة الرمزية المفتوحة، وإنتاج الحضارات، والتدين، والفلسفة، والبحث المجرد عن الحقيقة، وصناعة الأيديولوجيات، والتضحية من أجل أفكار مجردة، والشعور بالذنب الأخلاقي، والوعي بالموت بوصفه قضية وجودية، وإعادة بناء الواقع داخل منظومات تمثلية معقدة، هي ليست مجرد زيادات كمية على ما يوجد عند الحيوان، بل هي ظواهر تشير إلى “انتقال نوعي” في طريقة اشتغال الإنسان. ولو التزم الباحث بالبيانات وحدها، لكان عليه أن يعترف بأن هذه الظواهر تحتاج إلى تفسير مستقل، بدلاً من الاكتفاء بإدراجها ضمن سلسلة متصلة من السلوك الحيواني. أما إذا أصر على تفسيرها جميعاً بوصفها امتداداً لما يوجد عند الحيوان، فإنه لا يكون قد اتبع البيانات، وإنما يكون قد فرض عليها نموذجاً تفسيرياً سبق أن تبناه قبل أن يبدأ البحث. وهذا هو الفارق بين العلم والأيديولوجيا. فالعلم يسمح للبيانات بأن تصحح النموذج، أما الأيديولوجيا فتجبر البيانات على خدمة النموذج.
ومن المفارقات أن الاتجاه الذي يرفع شعار مقاومة “المركزية البشرية” قد يقع هو نفسه في مركزية من نوع آخر؛ إذ يجعل من البايولوجيا وحدها المرجع النهائي لتفسير الإنسان، مع أن المنهج العلمي لا يمنح أي علم حق احتكار تفسير جميع الظواهر. فكما لم تستطع ميكانيكا نيوتن تفسير جميع الظواهر الفيزيائية، ولم يكن ظهور ميكانيكا الكم إلغاءً لها، كذلك لا يوجد ما يبرر افتراض أن البايولوجيا وحدها قادرة على تفسير جميع الظواهر الإنسانية.
فالمقاربة الميتابايولوجية لا تدعو إلى إعادة الإنسان إلى موقع الامتياز بدافع عاطفي أو ديني أو أخلاقي، وإنما تدعو إلى شيء أكثر تواضعاً وأكثر علمية: أن نقرأ البيانات كما هي، وأن نعترف بأن وجود “تشابهات بايولوجية” لا ينفي احتمال وجود “انعطافة نوعية” في تاريخ الإنسان، تماماً كما أن تشابه عناصر مادتين لا يمنع أن تختلف خصائصهما اختلافاً جذرياً عندما يعاد تنظيم تلك العناصر بطريقة جديدة.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى الدراسات المعاصرة هو ليس: هل أثبتت هذه الدراسات أن الإنسان يشبه الحيوان؟ فهذا أمر لا خلاف عليه. وإنما: هل أثبتت أيضاً أن جميع جوانب الظاهرة الإنسانية قابلة للتفسير البايولوجي؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإن باب الميتابايولوجيا يظل مفتوحاً، لا بوصفه بديلاً عن البايولوجيا، وإنما بوصفه امتداداً ضرورياً لها، يتناول ما تقف عنده قدرتها التفسيرية، ويعيد إلى البحث العلمي حياده الذي لا يسمح للإيديولوجيا، مهما كان لونها، بأن تحل محل الوقائع.

أضف تعليق