
في تاريخ الثقافة الجماهيرية، نادراً ما نجد نموذجاً يشرّح طبيعة العلاقة المتوترة بين الإنتاج الإبداعي الرؤيوي وآلية السوق المحافظة كما تفعل قصة المسلسل الشهير ستار تريك (Star Trek) في مواسمه الأولى (1966–1969). فالإلغاء القسري للمسلسل بعد 79 حلقة فحسب، وذلك بحجة انخفاض نسب المشاهدة وعدم الجدوى الإعلانية، لم يكن مجرد قرار إداري لشبكة تلفزيونية؛ بل كان تجلياً صارخاً لـ “عجز رأس المال عن القراءة المستقبلية للحاضر”، وشهادة إدانة للذائقة الفنية التي يصنعها ويحتكم إليها المنطق التجاري المحض.
فالتمويل الرأسمالي للثقافة يعتمد على ما أسماه ثيودور أدورنو بـ “الصناعة الثقافية”، حيث تُقاس قيمة العمل الفني بحجم استهلاكه اللحظي لا بعمقه الفكري أو أثره التنويري. ويتجلى هذا التشخيص الصائب في سقوط الشبكة المنتجة لهذا المسلسل في “صنمية الإحصاء”، وذلك عبر أدوات قياس كمية مبسطة (مثل مؤشرات Nielsen)، وذلك كما يتبين لنا في ما يلي:
• الفخ الإحصائي: كان مسلسل ستار تريك يخاطب وعياً جديداً يتشكل، وكان يطرح أسئلة فلسفية حول الهوية، ويناقش التسامح العرقي، ويقدم نقداً ضمنياً للحرب الباردة. ولكن رأس المال، المصاب بـ “قصور بصر تاريخي”، لم يمتلك مجسات لقياس هذا الأثر؛ فرأى أن الأرقام الإجمالية لا تحقق الربح الأقصى مقارنة بالاستهلاك السريع للأعمال السطحية.
• تزييف الذائقة: فرأس المال لا يكتفي بفشل التنبؤ، بل يمارس وصاية تُفسد الذائقة العامة عبر فرض السائد والنمطي باعتباره “ما يطلبه الجمهور”. لقد اعتبر قرار الإلغاء نصراً لـ “الواقعية الاقتصادية”، بينما كان في الحقيقة دليلاً على فقر المخيلة المؤسسية التي لا ترى في الخيال العلمي إلا ديكورات ومؤثرات، لا أداة للتفكير الفلسفي.
ولكن هل كانت تلك هي نهاية مسلسل (ستار تريك) حقاً؟ تكمن المفارقة النقدية فيما حدث بعد الإلغاء؛ إذ لم يمُت العمل، بل انبعث من رماده عبر قنوات التوزيع الإقليمية (Syndication). فهنا تحرر العمل جزئياً من “قواعد الوقت الثمين” وضغوط شركات الإعلانات الكبرى. وبإمكاننا ان نتبين بعضاً من أبرز ملامح حقبة الانبعاث هذه، وذلك كما يلي:
1. تمرد الوعي الجماهيري: فعندما أُتيح العمل بانتظام، تحول مسلسل (ستار تريك) من “مشروع فاشل” في دفاتر المحاسبين إلى حركة ثقافية مزدهرة؛ حيث أثبت الجمهور أن العمل لم يكن فاشلاً، بل كان “سابقاً لعصره”. فلقد استشرف هذا المسلسل الرائد الشغف الإنساني بالفضاء قبل هبوط الإنسان على القمر، وتخيل مجتمعاً يسمو فوق التمييز العنصري والطبقي.
2. صراع الحاضر والمستقبل: فرأس المال أدان المسلسل لأنه قسَم الحاضر بمعايير الماضي المحافظ، بينما كان المسلسل يقرأ “المستقبل الكامن في الحاضر” ويؤثث له.
ولكن عندما انفجرت هذه الظاهرة في السبعينيات وأحدثت التحولات العلمية والتكنولوجية طفرة في الوعي الجمعي، اضطر الاستوديو الذي ألغى المسلسل بالأمس إلى دفع مئات الملايين لإعادة إحيائه سينمائياً وتلفزيونياً، ليتحول ستار تريك إلى واحدة من أضخم الإمبراطوريات الإنتاجية في التاريخ!
وهذا التحول يفكك الأسطورة الرأسمالية القائلة بأن “السوق يقود الابتكار ويصنع الذائقة المتطورة”، فالفن والرؤية المستقلة هما من قادا الطريق وصنعا الذائقة الجديدة وفرضاها على الواقع، أما رأس المال فلقد كان هو الطرف المتردد، الخائف، والمحافظ، ولم يتدخل إلا لاستثمار النجاح وتسلعيه بعد أن أثبتت الجماهير قيمته!
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قصة (ستار تريك) من الانتكاسة إلى البزوغ هي ليست حكاية نجاح هوليوودية مجردة، بل هي وثيقة إدانة نقدية: إن رأس المال، حين يُترك له وحده تحديد معايير “النجاح” و”الفشل”، يميل بنيوياً إلى خنق الأفكار الرؤيوية لصالح الترفيه المبتذل وقصير الأجل. إن فساد الذائقة الفنية لا يبدأ من الجمهور، بل من الهياكل الإنتاجية التي تقيس القيمة بالربح السريع، وتتحسس من كل ما هو جديد أو سابق لعصره. فلقد برهن (ستار تريك) على أن الأفكار العظيمة لا تموت بقرارات الشاشات المغلقة، وأن “الاتجاه المستقبلي للحاضر” لا يصنعه الممولون، بل يكتبه المبدعون الذين يجرؤون على اختراق حجب “الأمر الواقع” (Status Quo).
