هسترة الخوف… لماذا يخاف الإنسان من عالمٍ لم يعد موجوداً؟

من بين أكثر المفارقات غرابةً في الحياة الإنسانية، أن الإنسان لا يخاف دائماً مما يهدده فعلاً، بل كثيراً ما يخاف مما لم يعد موجوداً أصلاً. فقد تنتهي الحرب، ويبقى الخوف من الحرب. وينقضي زمن المجاعة، لكن يبقى هاجس الجوع. ويسقط المستبد، بينما يستمر الناس في خفض أصواتهم خشية أن يسمعهم. وكأن الخوف لا يغادر العالم بمجرد أن يغادره الخطر، وإنما يحتفظ بحياته الخاصة، مستقلاً عن السبب الذي أوجده أول مرة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: لماذا يخاف الإنسان؟ فهذا السؤال تناولته علوم النفس والأحياء منذ زمن طويل،دك ّ  وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا يستمر الخوف بعد أن تزول أسبابه؟ ولماذا يتصرف الإنسان أحياناً كما لو أنه ما يزال يعيش في عالم انتهى منذ سنوات، أو منذ عقود، وربما منذ أجيال كاملة؟ فلقد اعتدنا أن ننظر إلى الخوف بوصفه استجابةً طبيعيةً لوجود خطر خارجي. فالإنسان يرى الخطر، فيخاف، ثم يزول خوفه عندما يزول مصدر التهديد. وهذا هو النموذج السببي التقليدي الذي يقوم على علاقة مباشرة بين السبب والنتيجة. غير أن التجربة الإنسانية كثيراً ما تكشف لنا عن صورة مختلفة. فالنتيجة قد تبقى حاضرة، بينما يكون السبب قد اختفى منذ زمن بعيد.
ولعل هذا ما يمكن تسميته بـ “هسترة الخوف”. فكما تحتفظ بعض الأنظمة الفيزيائية بأثر المؤثر بعد زواله، فقد يحتفظ الإنسان أيضاً بأثر الخطر بعد اختفاء مصدره. وليس المقصود من هذا التشبيه الادعاء بأن النفس البشرية تخضع للقوانين الفيزيائية نفسها، وإنما الإشارة إلى مبدأ عام، يتمثل في أن التاريخ السابق للنظام قد يظل مؤثراً في سلوكه الحالي، حتى عندما تتغير ظروفه الراهنة.
ولعل أبسط الأمثلة على ذلك ما نجده عند من عاشوا سنوات طويلة في ظل الحروب أو الاضطهاد. فقد ينتقلون إلى بيئات آمنة، ويعيشون سنوات من الاستقرار، لكن أجسامهم وعقولهم تبقى في حالة تأهب دائم؛ إذ أنهم لا يستجيبون لما هو موجود أمامهم، بل لما كان موجوداً في الماضي. فالعالم الذي يسكن داخلهم ليس هو العالم الذي يعيشون فيه الآن، وإنما هو عالم آخر تشكلت فيه منظومتهم العصبية والنفسية تحت ضغط الخطر المستمر. غير أن هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الجيل الذي عاش التجربة بنفسه. فهناك ملاحظات دفعت الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان بعض آثار الخوف قد يمتد إلى الأجيال التالية أيضاً. فبعض الأبناء الذين نشؤوا بعيداً عن البيئات التي عاش فيها آباؤهم، بل وبعض الذين انفصلوا عن أسرهم البيولوجية في مراحل مبكرة جداً من حياتهم، أظهروا في بعض الدراسات أنماطاً من القلق أو الحساسية المفرطة للتهديد يصعب ردها كلها إلى ظروف نشأتهم الجديدة وحدها. ولا تكفي هذه الملاحظات لإثبات انتقال الخوف بيولوجياً، لكنها تفتح الباب أمام سؤال علمي مشروع حول إمكان مساهمة بعض الآليات اللاجينية في انتقال جزء من آثار الضغوط الشديدة عبر الأجيال، إلى جانب العوامل النفسية والاجتماعية المعروفة. وإذا صح أن شيئاً من هذا القبيل يحدث، فإن الخوف لن يكون مجرد استجابة لما يراه الإنسان بعينيه، بل قد يكون أيضاً استجابة لتاريخ لم يعشه بنفسه. وبذلك يصبح الماضي شريكاً خفياً في تشكيل الحاضر، ليس من خلال الذاكرة الواعية وحدها فحسب، بل ربما أيضاً من خلال آثار بيولوجية ما تزال العلوم الحديثة تحاول فهم حدودها وآلياتها.
ولذلك فإن كثيراً من المجتمعات تستمر في التفكير بعقلية لا تنتمي إلى واقعها الحالي. فهناك شعوب ما تزال تتصرف وكأن المجاعة على الأبواب، رغم وفرة الموارد. وأخرى تبني علاقاتها الاجتماعية على الشك الدائم، لأن تاريخها الطويل مع الخيانة والاضطهاد لم يغادر وعيها الجمعي. وثالثة تخشى التعبير عن آرائها بحرية، رغم أن الأنظمة التي كانت تعاقب على الكلمة قد أصبحت جزءاً من التاريخ.
إن الخوف، حين يتحول إلى بنية مستقرة، لا يعود بحاجة إلى خطر حقيقي كي يستمر. فهو يعيد إنتاج نفسه بنفسه، ويجد في كل حدث جديد دليلاً يؤكد مشروعيته. وهكذا يصبح الإنسان أسيراً لعدسة يرى بها العالم، وليس للعالم نفسه؛ فهو لا يعيش الواقع كما هو، وإنما كما تشكله خبراته الماضية.
ومن هنا تتجلى إحدى أعظم وظائف الوعي. فهو لا يقتصر على معرفة ما يحيط بنا، وإنما يساعدنا أيضاً على التمييز بين الأخطار الحقيقية والأخطار التي لم يعد لها وجود إلا في ذاكرتنا الفردية أو الجمعية. فالتحرر من الخوف لا يتحقق بمجرد إزالة مصدر التهديد، وإنما يقتضي تحرير الإنسان من استمرار الخضوع لآثار ذلك التهديد من بعد زواله.
وربما كان هذا هو أحد أهم أسباب تعثر كثير من مشروعات الإصلاح الاجتماعي والسياسي. فبناء المؤسسات الجديدة لا يكفي إذا بقي الإنسان يعيش نفسياً داخل المؤسسات القديمة. وإقرار الحقوق لا يكفي إذا ظل المواطن يتصرف كما لو أنه لا يملكها. وإزالة القيود لا تكفي إذا بقي العقل يصدق أنها ما تزال قائمة. فالتاريخ قد يغادر الواقع، لكنه لا يغادر الإنسان بالسرعة نفسها.
ولعل هذا يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الشجاعة نفسه. فالشجاع ليس دائماً من يواجه خطراً حاضراً، وإنما أيضاً من ينجح في التحرر من خوفٍ لم يعد له وجود إلا في داخله. فهناك معارك يخوضها الإنسان مع واقع قائم، وهناك معارك أشد صعوبة يخوضها مع ماضٍ انتهى لكنه ما يزال يسكنه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام العلم والفلسفة هو: كم من مخاوفنا اليوم هي استجابة صادقة للعالم الذي نعيش فيه، وكم منها ليست إلا أصداءً بعيدة لعالم انقضى، لكنه ما يزال يواصل الحياة في أعماقنا؟

أضف تعليق