مغالطة المستقبل المعرفي… هل يملك أحد دليلاً على أن العقل سيفهم كل شيء؟

من بين أكثر المغالطات الإبستمولوجية انتشاراً في تاريخ الفكر الإنساني، مغالطةٌ تبدو لأول وهلة وكأنها تعبير عن الثقة بالعلم، لكنها في حقيقتها ليست نتيجةً علمية، وإنما هي افتراضٌ فلسفي لا يستند إلى أي برهان. فكلما أثير الحديث، ولو على سبيل الفرض والجدل، عن احتمال وجود ظواهر يستحيل على العقل البشري أن يفسرها تفسيراً قائماً على قوانين العلم، سارع كثير من العلماء إلى الجواب ذاته: لقد اعتقد الناس في الماضي أن ظواهر كثيرة كانت خارقة للطبيعة، ثم جاء العلم ففسرها، ولذلك فإن ما نعده اليوم خارقاً للطبيعة سيجد تفسيره العلمي عاجلاً أم آجلاً. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل نجح العلم في تفسير كثير من الظواهر التي كانت مجهولة؟ فهذا أمر لا يكاد يجادل فيه أحد. وإنما السؤال الأعمق هو: من أين جاء اليقين بأن هذه المسيرة ستستمر إلى ما لا نهاية؟ وما هو القانون العلمي الذي يثبت أن كل ظاهرة، مهما بلغت درجة تعقيدها أو اختلافها، ستكون قابلة يوماً ما لأن تدخل ضمن دائرة التفسير العلمي؟ فكثيرٌ من المدافعين عن هذا الرأي يخلطون بين قضيتين مختلفتين تماماً. فالقضية الأولى هي حقيقة تاريخية، مفادها أن العلم نجح مراراً في تفسير ظواهر كانت تبدو غامضة. أما القضية الثانية فهي ادعاء مستقبلي يقول إن كل ظاهرة ممكنة الحدوث ستكون قابلة للتفسير العلمي مستقبلاً. وبين القضيتين مسافة إبستمولوجية هائلة. فالأولى تستند إلى وقائع تاريخية، أما الثانية فلا تستند إلا إلى توقع لا يملك أي سند علمي يسنده. فلو افترضنا جدلاً أن الإنسان واجه يوماً ظاهرة خارجة عن النموذج العلمي القائم، فإن أقصى ما يستطيع بعض العلماء الاعتراف به هو أنهم أخطأوا حين أنكروا إمكان وجود مثل هذه الظاهرة. لكنهم، في الوقت نفسه، يحتفظون بافتراض آخر لا يقل جرأة، وهو أن العلم سيجد لها تفسيراً في المستقبل. وكأن الاعتذار عن إنكار وجود الظاهرة لا يستلزم مراجعة الافتراض الأعمق، وهو أن العقل البشري لابد أن يمتلك القدرة على فهم كل ما يوجد. غير أن هذا الافتراض نفسه ليس قانوناً علمياً، ولا نتيجةً تجريبية، ولا نظريةً مثبتة، بل هو مجرد صورة حديثة من صور الإيمان غير المبرهن بقدرات العقل الإنساني. فهو يفترض، من حيث لا يشعر أصحابه، بوجود نوع من التوازي بين تطور العقل البشري وبين بنية الوجود نفسها، وكأن العالم لا ينتج من التعقيد إلا بالمقدار الذي يستطيع الإنسان استيعابه لاحقاً. غير أن البايولوجيا التطورية لا تقول شيئاً من هذا القبيل.
فالعقل البشري، بحسب ما نعرفه من علم الأحياء، لم يتطور ليكون جهازاً كليَّ المعرفة، وإنما بوصفه أداةً محدودة تكفل لصاحبها البقاء والتكيف في بيئة معينة. ولم تقل نظرية تطورية واحدة إن هذا العقل يتقدم في توازٍ أنطولوجي مع تطور الكون، أو إن قوانين الطبيعة تضمن له، مع مرور الزمن، القدرة على إدراك جميع مستويات الوجود. بل إن كل ما نعرفه عن التطور يشير إلى أن الانتقاء الطبيعي يمنح الكائن من القدرات ما يخدم بقاءه، لا ما يضمن له الإحاطة المطلقة بالواقع.
ومن هنا تنشأ المفارقة. فإذا كان العقل نفسه نتاجاً محدوداً لشروط بايولوجية معينة، فمن أين جاءت الثقة المطلقة بأنه سيصبح يوماً قادراً على اختراق جميع الحجب الأنطولوجية التي قد تكون قائمة في بُنية الوجود؟ إن هذا السؤال لا يطعن في العلم، وإنما يطعن في المبالغة الفلسفية التي تُقَوِّل العلم ما لم يقله عن نفسه.
ولعل أخطر ما في هذه المغالطة أنها تحول النجاح الجزئي إلى وعد كوني. فكل نجاح سابق للعلم يصبح، في نظر أصحابها، دليلاً على نجاحات مستقبلية غير محدودة، مع أن المنطق نفسه لا يسمح بهذا الانتقال. فالنجاح في تفسير ألف ظاهرة لا يبرهن على قابلية الظاهرة رقم ألف وواحد للتفسير، كما أن النجاح في عبور ألف بحر لا يثبت أن كل بحر قابل للعبور.
إن الاعتراف بحدود العقل ليس هزيمةً للعلم، بل هو انتصار للمنهج العلمي ذاته. فالعلم الحقيقي لا يَعِد بما لا يملك دليلاً عليه، ولا يحوّل التفاؤل إلى قانون، ولا الاحتمال إلى يقين. ولذلك فإن الموقف الأكثر اتساقاً مع المنهج العلمي هو ليس بأن نجزم أن كل شيء سيكون قابلاً للتفسير، ولا أن نقطع بوجود ما يستحيل تفسيره، وإنما أن نعترف بأننا لا نملك اليوم أي برهان يجيز لنا ادعاء أيٍ من الأمرين. فقد يكون في الوجود من المستويات والكيانات والقوانين ما يتجاوز، من حيث المبدأ، حدود البنية الإدراكية للعقل البشري نفسه. وإذا صح ذلك، فإن السؤال لن يكون: متى سيفسر العلم هذه الظاهرة؟ وإنما: هل صُمم العقل البشري أصلاً ليكون قادراً على تفسيرها؟ وهذا هو السؤال الذي كثيراً ما يُستبعد قبل أن تبدأ المناقشة، لا لأنه أُجيب عنه علمياً، بل لأن كثيرين افترضوا، دون دليل، أن الجواب معروف سلفاً.

أضف تعليق