
من بين أكثر الأخطاء المعرفية شيوعاً في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان، ذلك الميل إلى الاعتقاد بأن ما يظهر من الشخص يكشف حقيقته كاملة. فما أن يرى الناس إنساناً صالحاً، أو تقياً، أو لطيفاً، أو كريماً، حتى يطمئنوا إلى أنهم عرفوه، ويحكموا عليه كما لو أنهم أحاطوا بجميع جوانب شخصيته. فإذا صدر عنه بعد ذلك فعلٌ يناقض كل ما كانوا يظنونه فيه، أصابتهم الدهشة، وسارعوا إلى وصف ما حدث بأنه انقلاب مفاجئ، أو سقوط غير متوقع، أو نفاق لم يكن ظاهراً من قبل. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: لماذا يتغير الإنسان؟ وإنما: هل عرفنا الإنسان حقاً منذ البداية حتى نَصف ما جرى بأنه تغيُّر في سلوكه؟ فهذا السؤال يمس جوهر الظاهرة الإنسانية. فنحن لا نرى من الإنسان إلا جزءاً صغيراً مما هو عليه بالفعل. وما نلاحظه من أقواله، أو أفعاله، أو مواقفه، ليس إلا وجهاً من وجوه كثيرة تتجاور داخله. فالإنسان ليس إرادة واحدة، ولا شخصية واحدة بالمعنى البسيط، وإنما هو ميدان تتزاحم فيه إمكانات لا حصر لها، لكل منها قابلية لأن تتقدم إلى الواجهة إذا توافرت لها الظروف المناسبة. ولهذا السبب كثيراً ما يفاجئنا التاريخ الشخصي للأفراد. فقد نسمع عن رجلٍ عُرف بين الناس بالزهد والتقوى، ثم يكتشف الجميع أنه ارتكب ما كانوا يستبعدون صدوره عنه تماماً. وقد نجد إنساناً اشتهر بالرحمة واللطف، ثم نراه في ظرف آخر يمارس قسوةً لا يكاد يصدقها مَن عرفه. وقد يحدث العكس أيضاً، فيخرج من بين من عُرفوا بالفساد من يقدم أروع صور التضحية والإيثار. وليس ذلك لأن الإنسان يتبدل بين ليلة وضحاها، وإنما لأننا لم نكن نرى إلا جانباً واحداً من ظاهرة أعقد بكثير مما تصورناه.
ولعل من أوضح الأمثلة على هذا التعقيد ما شهدته الحروب عبر التاريخ. فقد يعيش الإنسان حياة هادئة مستقرة، يحب الموسيقى، ويعزف على آلة الجيتار، ويحب زوجته أو حبيبته، ويقضي أوقاته مع أصدقائه، ثم إذا استدعته الحرب حمل سلاحه وسافر آلاف الكيلومترات ليشارك في قتل أناس يعلم يقيناً أنهم مزارعون بسطاء، أو عمال، أو آباء لأطفال، لم يكن لهم في تلك الحرب ناقة ولا جمل. والسؤال هنا ليس كيف استطاع أن يفعل ذلك، بل كيف استطاع العقل البشري أن يجمع بين هذين الوجهين المتناقضين في إنسان واحد؟ فالمشكلة ليست في الإنسان وحده، وإنما في الكيفية التي ننظر بها إليه. فنحن نميل دائماً إلى اختزال الظاهرة الإنسانية في أكثر أوجهها ظهوراً، ثم نتعامل مع ذلك الوجه كما لو أنه الحقيقة كلها. فإذا رأينا الصلاح، افترضنا أن بقية الإمكانات قد اختفت. وإذا رأينا الشر، ظننا أن الخير قد انعدم. مع أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالوجه الذي يظهر ليس بالضرورة هو الوجه الوحيد، بل قد يكون مجرد الوجه الذي سمحت له الظروف بالظهور في تلك اللحظة.
ومن هنا تقترح المقاربة الميتابايولوجية تصوراً مختلفاً للإنسان؛ فهي لا تنظر إليه بوصفه مجموعة صفات ثابتة، ولا باعتباره شخصية مكتملة المعالم يمكن اختزالها في وصف واحد، وإنما بوصفه ظاهرة مركبة تتداخل فيها آلاف الإمكانات السلوكية والنفسية، والتي تتولد عن البنية العميقة للنفس الإنسانية كما تشكلت بعد الانعطافة التطورية الأولى. فهذه النفس لا تحكمها إرادة منفردة، بل تتنازعها باستمرار ثلاث قوى كبرى: فائض التمثل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. ومن تفاعل هذه الفوائض، وتشابكها، وتفاوت تأثيرها، تتولد آلاف الصور الممكنة للسلوك الإنساني. ولهذا لا يجوز، من الناحية المعرفية، أن نحكم على الإنسان استناداً إلى وجه واحد من وجوهه. فالذي يبدو اليوم وديعاً قد يحمل في داخله قابلية للعنف لم تُتح لها الفرصة بعد أن تتجلى، والذي يبدو اليوم شريراً قد لا يكون قد فقد تماماً القدرة على الخير. فالظاهرة الإنسانية ليست صورة فوتوغرافية ثابتة، وإنما هي مجال احتمالات دائم الحركة.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا كان الدين يرفض أن يمنح الإنسان براءةً مطلقة، كما يرفض في الوقت نفسه أن يحكم عليه بالهلاك النهائي ما دام حياً. فالدين لا ينطلق من رؤية متفائلة ترى الإنسان خيراً بطبيعته، ولا من رؤية متشائمة تعده شراً خالصاً، وإنما من معرفة دقيقة بتكوينه الحقيقي. فهو يعلم أن النفس الإنسانية تحمل في داخلها إمكانات متعارضة، وأن كل إنسان يعيش صراعاً دائماً بين هذه الإمكانات، مهما بدا مستقراً في ظاهره.
ولهذا جاء المنهاج التعبدي القرآني شاملاً، ولم يقتصر على إصلاح جانب واحد من الإنسان. فلم يكتفِ بتقويم الفكر، ولا بتقويم الأخلاق، ولا بتنظيم الشهوات، ولا بكبح العدوان، وإنما خاطب الإنسان كله، لأن الإنسان كله هو موضع العلاج. فالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وغض البصر، والعفو، والصبر، والإحسان، وسائر عناصر المنهاج التعبدي، ليست عبادات متفرقة لا يجمعها رابط، وإنما هي أجزاء من مشروع واحد يتعامل مع جميع أوجه النفس الإنسانية في آن واحد. ولذلك كان هذا المنهاج موجهاً إلى البشر جميعاً، وليس إلى فئة دون أخرى، لأنه ينطلق من حقيقة أن الناس جميعاً خُلقوا من نفس واحدة، وأن هذه النفس، مهما اختلفت ألوان أصحابها، أو أوطانهم، أو ثقافاتهم، أو طبقاتهم الاجتماعية، تقوم على البنية الإنسانية نفسها. فلا أحد يبلغ من الصلاح حداً يصبح معه في مأمن من بقية إمكاناته، ولا أحد يبلغ من الفساد حداً يستحيل معه إصلاحه ما دام باب التغيير مفتوحاً.
وعلى هذا الأساس، فإن حقيقة الإنسان لا تكمن في الوجه الذي نراه، بل في مجمل البنية التي تجعل جميع تلك الوجوه ممكنة. وما الحياة إلا سلسلة من المواقف التي تكشف، تباعاً، ما كان كامناً في أعماق النفس. أما الغاية الكبرى للمنهاج التعبدي، فهي ألا يترك في النفس وجهاً خفياً إلا كشفه، ولا إرادةً متسلطة إلا فضحها، ولا نزعةً مستبدة إلا حاصرها بالتزكية والمجاهدة، حتى يتحرر الإنسان، رويداً رويداً، من سلطان تلك الإرادات المتنازعة، فلا يعود بعدها عبداً لفائض التمثل، ولا أسيراً لفائض العدوان، ولا خاضعاً لطغيان فائض الجنس، وإنما يصبح أكثر قرباً من الصورة التي أرادها الله للإنسان حين جعله مسؤولاً عن نفسه، لا عن الوجه الذي يراه الناس فيه.
