هَوَس الإنسان بالتفسير الواحد والوحيد… مسلسل Ancient Aliens مثالاً

من بين أكثر الأخطاء التي يقع فيها العقل البشري، أنه لا يكتفي بالبحث عن تفسير للظواهر، وإنما يسعى دائماً إلى العثور على التفسير الواحد والوحيد الذي يظن أنه يغنيه عن التفكير في كل الاحتمالات الأخرى. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل هذا التفسير صحيح؟ وإنما: هل يحق لنا، من الناحية العلمية، أن نتصرف كما لو أنه التفسير الوحيد الممكن أصلاً؟ فالمنهج العلمي لم يقم على مبدأ اليقين، بل على مبدأ الاحتمال المنضبط. فهو لا يطلب من الباحث أن يختار النظرية التي تعجبه، وإنما أن يبقي الباب مفتوحاً أمام كل تفسير يستطيع أن يفسر البيانات بالقدر نفسه أو بصورة أفضل. فكل نظرية علمية هي، في نهاية المطاف، محاولة تفسيرية قابلة للمراجعة، وليست نهاية التاريخ المعرفي. غير أن الإنسان كثيراً ما يميل إلى النقيض تماماً. فما إن يعثر على تفسير يبدو له مقنعاً، حتى يبدأ في إعادة تفسير العالم كله من خلاله، وكأن الكون قد أصبح لغزاً واحداً لا يحتاج إلا إلى مفتاح واحد. ومن هنا تتحول الفرضيات إلى عدسات يرى الإنسان من خلالها كل شيء، حتى يغدو الدليل تابعاً للنظرية، بدلاً من أن تكون النظرية تابعة للدليل.
ولعل مسلسل Ancient Aliens يمثل مثالاً واضحاً على هذا الميل الإنساني. فالمسلسل يقوم، منذ حلقاته الأولى، على فرضية مفادها أن كائنات ذكية غير أرضية زارت الأرض في الماضي السحيق، وأسهمت في بناء الحضارات القديمة، أو نقل المعارف، أو تشييد الآثار، أو توجيه مسار التاريخ البشري. وليس الاعتراض هنا على حق القائمين على البرنامج في طرح هذه الفرضية بوصفها احتمالاً يستحق النقاش، فالعلم لا يمنع طرح الفرضيات، مهما بدت غير مألوفة، مادامت لا تُعرَض على أنها حقائق ثابتة. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الفرضية إلى عدسة تفسيرية تكاد تبتلع كل شيء. فكل أثر غامض، وكل بناء هندسي مدهش، وكل أسطورة قديمة، وكل نص ملتبس، وكل فجوة في المعرفة، يصبح، بصورة أو بأخرى، شاهداً على زيارة فضائية مزعومة. وهنا لا يعود البرنامج يبحث عن التفسير الذي يناسب الأدلة، وإنما يبحث عن الأدلة التي تناسب التفسير الذي تبناه مسبقاً.
والواقع أن الظواهر التي يستعرضها البرنامج ليست من طبيعة واحدة. فبعضها ظواهر لم يثبت وقوعها أصلاً، ولا تزال الأدلة عليها محل خلاف شديد، بحيث يجوز من الناحية العلمية أن يشكك الإنسان في وجودها قبل أن يبدأ بتفسيرها. وبعضها الآخر ظواهر حقيقية، لكنها تملك تفسيرات أثرية أو هندسية أو تاريخية أو جيولوجية مقنعة، وإن لم تكن معروفة لعامة الناس. ويبقى بالفعل عدد محدود من الظواهر التي يعترف الباحثون بأن تفسيرها لا يزال غير مكتمل، أو أن المعرفة الحالية لم تقدم لنا جواباً نهائياً بشأنها.
غير أن وجود هذا النوع الأخير من الظواهر لا يسمح لنا بالقفز مباشرة إلى فرضية محددة، فضلاً عن اعتبارها التفسير الوحيد الممكن. فجهل سبب ظاهرة ما لا يساوي معرفة سببها. وعدم امتلاك تفسير اليوم لا يعني أن أي تفسير يُطرح غداً يصبح صحيحاً لمجرد أنه يملأ الفراغ. إن الفراغ المعرفي ليس دليلاً، وإنما هو إعلان مؤقت عن حدود معرفتنا.
فلقد شهد تاريخ العلم مئات الظواهر التي بدت، في زمانها، مستحيلة التفسير؛ فنُسبت الأمراض إلى الأرواح الشريرة قبل اكتشاف الجراثيم، ونُسب البرق إلى غضب الآلهة قبل فهم الكهرباء، وبدا سقوط النيازك أمراً خرافياً قبل أن يصبح حقيقة علمية. ولم يكن الخطأ آنذاك في الاعتراف بوجود ظواهر مجهولة، وإنما في الاعتقاد بأن أول تفسير يخطر في الذهن هو التفسير الصحيح والوحيد.
إن الفرق بين العالِم الحقيقي وصاحب العقيدة التفسيرية، هو أن العالِم يستطيع أن يقول: لا أعلم. أما صاحب العقيدة، فإنه يشعر بأن كل فراغ معرفي يمثل تهديداً يجب ملؤه بأي جواب، حتى لو كان هذا الجواب يفتقر إلى البرهان. ولذلك فإن الاعتراف بالجهل المؤقت ليس ضعفاً في العلم، بل هو أحد أعظم مصادر قوته، لأنه يحفظ الباب مفتوحاً أمام الاكتشاف.
وهذا يقودنا إلى قضية أعمق من مجرد نقد فرضية مسلسل “فضائيين قدامى”. فالنزعة إلى التفسير الواحد لا تقتصر على هذه الفرضية، بل نجدها في ميادين كثيرة. فهناك من يفسر كل شيء بالجينات، وآخر يفسره بالاقتصاد، وثالث بالمؤامرة، ورابع بالصدفة، وخامس بالذكاء الاصطناعي. وكل واحد من هؤلاء يرى العالم من خلال مفتاح واحد، وكأن الواقع قد صُمم ليخضع لنظرية واحدة لا غير.
لكن العالم الحقيقي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالظواهر لا تتشابه جميعها، ولذلك لا يُنتظر منها أن تستجيب جميعها لتفسير واحد. وقد تكون بعض الظواهر قابلة للتفسير بالنموذج العلمي الحالي، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى تطوير هذا النموذج، وربما توجد ظواهر لم يحن أوان فهمها بعد. وليس في هذا ما يبرر اللجوء إلى تفسير بعينه بوصفه الخيار الوحيد.
ولذلك فإن الاعتراض على مسلسل Ancient Aliens لا ينبغي أن يُفهم على أنه اعتراض على احتمال وجود حضارات غير أرضية، أو على إمكانية وجود ظواهر قد يعجز العلم الحالي عن تفسيرها. فهاتان قضيتان مختلفتان تماماً. إن وجود ظواهر لا نفهمها بعد، هو احتمال مشروع، كما أن وجود حياة ذكية خارج الأرض احتمال لا يزال العلم يناقشه. ولكن الذي لا ينسجم مع المنهج العلمي هو تحويل هذا الاحتمال إلى مفتاح يفسر كل مجهول، وكأن كل سؤال لم نجد له جواباً لا بد أن تكون إجابته واحدة سلفاً.
إن العلم لا يتقدم حين يعثر على أجوبة نهائية، وإنما حين يحسن صياغة الأسئلة، ويقاوم إغراء التفسير الواحد. فكلما اتسعت قدرتنا على تخيل البدائل، ازدادت فرصتنا في الاقتراب من الحقيقة. أما حين يتحول التفسير إلى عقيدة، فإن البحث العلمي يتوقف، حتى لو ظل أصحابه يرفعون شعارات العلم.
ولعل أخطر ما في هوَس الإنسان بالتفسير الواحد والوحيد أنه لا يغلق باب المعرفة فحسب، بل يغلق باب الدهشة أيضاً. إذ يصبح العالم كله نسخة مكررة من الفكرة التي يحملها الإنسان في رأسه، بينما الحقيقة، في كثير من الأحيان، تكون أكثر ثراءً، وأكثر تواضعاً، وأكثر إثارةً للعقل من أي تفسير أحادي يتوهم أنه امتلك الكلمة الأخيرة.

أضف تعليق