الأصول المحدودة… كيف تتحول قصة واحدة إلى مئات الأساطير؟

من بين أكثر الظواهر إثارةً للتأمل في تاريخ الثقافة الإنسانية، ذلك التشابه المذهل الذي نجده بين أساطير الشعوب، على الرغم من تباعد مواطنها واختلاف لغاتها وأديانها وأعراقها ومراحلها الحضارية. فقصص الطوفان، والبطل المنقذ، والهبوط من عالم علوي، والمعرفة المحرمة، والعهد مع القوى الخفية، والصراع بين الإخوة، والرحلة إلى عالم الموتى، والبحث عن الخلود، تظهر بصور متقاربة في تراث أمم قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة بعضها عن بعض بُعداً يجعل الاتصال بينها أمراً مستبعداً. ولذلك اعتاد كثير من الباحثين أن يطرحوا السؤال الآتي: كيف استطاعت شعوب متباعدة أن تبتكر القصص نفسها؟ غير أن هذا السؤال قد يكون مبنياً على افتراض لم يثبت أصلاً؛ وهو أن هذه الشعوب قد ابتكرت تلك القصص بصورة مستقلة. فماذا لو لم تكن الأساطير المتشابهة اختراعات منفصلة؟ وماذا لو كانت، في معظمها، تجليات متعددة لعدد محدود من الأصول السردية التي انتقلت بين الجماعات البشرية، ثم تعرضت عبر القرون لعمليات متواصلة من التعديل والتشظي وإعادة التأويل؟ فعندئذ لن يعود السؤال: لماذا أنتجت العقول المتباعدة الأساطير نفسها؟ بل يصبح: كيف تحولت قصة واحدة إلى عشرات القصص، ثم إلى مئات الأساطير التي فقدت، مع مرور الزمن، ما يدل بوضوح على وحدة أصلها؟
هنا يمكن تطبيق مبدأ أوسع هو مبدأ الأصول المحدودة والتجليات المتعددة. وفحوى هذا المبدأ أن كثرة الصور الظاهرة لا تستلزم بالضرورة كثرة الأصول التي صدرت عنها. فقد تكون التجليات كثيرة إلى حد يصعب إحصاؤه، بينما تبقى الأصول التي انبثقت منها قليلة ومحدودة. فالشجرة الواحدة تستطيع أن تنتج آلاف الأغصان والأوراق، لكن كثرة الأغصان لا تعني تعدد الجذور. وكذلك قد تكون الأساطير البشرية، على اختلافها، أغصاناً سردية انحدرت من عدد محدود من الجذور التي غابت عن الذاكرة، وبقيت آثارها كامنة في البنية العميقة للروايات اللاحقة.
لا ينبغي النظر إلى القصة الأصلية بوصفها نصاً ثابتاً ينتقل من شعب إلى آخر من غير تغيير. فالرواية، منذ لحظة خروجها من الجماعة التي ظهرت فيها أول مرة، تبدأ حياة جديدة. وكل جماعة تستقبلها لا تنقلها كما سمعتها تماماً، وإنما تعيد بناءها وفق تصوراتها الدينية، ونظامها الأخلاقي، وبيئتها الطبيعية، وصراعاتها السياسية، ولغتها الرمزية. فإذا انتقلت قصة نشأت في بيئة نهرية إلى شعب يعيش في الصحراء، فقد تتغير طبيعة الخطر الذي تتحدث عنه. وإذا انتقلت من ثقافة تؤمن بتعدد الآلهة إلى ثقافة توحيدية، فقد يعاد تفسير شخصياتها وقواها الغيبية. وإذا استقبلها مجتمع محارب، قد تتحول شخصية الحكيم فيها إلى بطل مقاتل. أما إذا دخلت مجتمعاً زراعياً، فقد ترتبط القصة بالمطر والخصب والمواسم ودورة النبات. وهكذا لا تنتقل القصة بوصفها نسخة مطابقة للأصل، بل بوصفها بنية قابلة للتكيّف. وكلما عبرت حدوداً جديدة اكتسبت أسماء مختلفة، وشخصيات إضافية، وأماكن محلية، ودلالات لم تكن موجودة فيها من قبل. وبعد مرور قرون طويلة، لا يعود الباحث أمام قصة واحدة ونسخ واضحة منها، بل أمام ما يمكن تسميته عائلة أسطورية؛ أي مجموعة من الروايات التي تبدو مستقلة، مع أنها قد تكون منحدرة من أصل سردي واحد.
إن انتقال الأساطير لا يشبه نسخ مخطوطة حرفياً، بل يشبه انقسام مجرى مائي كبير إلى فروع وجداول صغيرة. فكل فرع يسلك طريقاً مختلفاً، ويتأثر بطبيعة الأرض التي يعبرها، وقد يبتعد كثيراً عن المجرى الأول، لكنه يحتفظ بشيء من مائه الأصلي. ويمكن تسمية هذه العملية بـ التشظي السردي؛ وهي العملية التي تتفرع بها الرواية الواحدة إلى صيغ متعددة، يحتفظ كل منها ببعض العناصر القديمة، ويفقد بعضها، ويضيف عناصر جديدة. وقد يبدأ التشظي بتغيير بسيط في اسم البطل أو موقع الحادثة. ثم تتحول صفة عارضة في شخصية ما إلى عنصر أساسي في نسخة لاحقة. وقد تُدمج القصة بقصة أخرى، فتظهر رواية ثالثة لا تطابق أياً منهما تطابقاً كاملاً. وقد يُحذف الجانب الديني منها لتصبح حكاية شعبية، أو يضاف إليها معنى ديني جديد فتصير جزءاً من تقليد عقدي مختلف.
ومع تكرار هذه التحولات، يصبح من العسير التعرف إلى الأصل. غير أن بقاء بعض العناصر البنيوية قد يكشف صلة القرابة بين الروايات؛ مثل ترتيب الأحداث، أو نوع المحظور، أو طبيعة الثمن الذي يدفعه البطل، أو العلاقة بين المعرفة والعقوبة، أو وجود تحذير يسبق ارتكاب الفعل. ومن هنا لا ينبغي أن يقتصر البحث المقارن على تشابه الأسماء والتفاصيل الظاهرة، بل يجب أن يبحث عن البنية السردية العميقة التي قد تبقى ثابتة حتى بعد تغير كل ما يحيط بها.
تقوم فرضية الأصول المحدودة على ملاحظة أساسية، وهي أن الأصل السردي ليس بالضرورة أسطورة. فقد يكون الأصل حادثة تاريخية حقيقية، أو تجربة جماعية، أو كارثة طبيعية، أو ظهور شخصية استثنائية، أو لقاءً بين جماعتين، أو حدثاً دينياً تناقلته الأجيال.
فالواقعة لا تبقى في الذاكرة كما حدثت. فما يبقى منها هو ما تستطيع الجماعة فهمه وحفظه ونقله. ومع كل جيل يجري اختزال بعض التفاصيل وإبراز بعضها الآخر. ثم تدخل الرغبة في التفسير، والمبالغة، والوعظ، والتخويف، والبحث عن المعنى. وبعد أجيال عدة قد يصبح الحدث التاريخي رواية، ثم تتحول الرواية إلى قصة رمزية، ثم تتخذ القصة شكل الأسطورة. وقد يحدث أيضاً أن تتوزع عناصر الواقعة الواحدة على روايات مختلفة. فتحتفظ إحدى الجماعات بشخصية البطل، بينما تحتفظ جماعة ثانية بطبيعة الكارثة، وتحفظ ثالثة عنصر التحذير أو العقوبة. وعندما يدرس الباحث هذه الروايات منفصلة قد يظن أنها أساطير متعددة، مع أنها أجزاء متفرقة من ذاكرة حدث واحد.
لذلك فإن القول بوحدة الأصل لا يعني أن جميع تفاصيل الأساطير كانت حاضرة منذ البداية. فما ينتقل عبر التاريخ ليس قالباً كاملاً، بل نواة سردية صغيرة تستطيع أن تنمو في اتجاهات مختلفة.
ويقدم تاريخ اللغات مثالاً توضيحياً بالغ الدلالة. فالإنسان الذي ينظر إلى آلاف اللغات واللهجات الموجودة اليوم قد يتوهم أن لكل لغة منها بداية مستقلة. غير أن علم اللغة التاريخي وعلم اللغة المقارن يبين أن أعداداً كبيرة من اللغات يمكن جمعها في أسر، وأن لغات الأسرة الواحدة ترجع إلى أصول أقدم مشتركة.
فلقد أدت الهجرة والانفصال الجغرافي والتغير الصوتي والاحتكاك بثقافات أخرى إلى تفرع اللغة الواحدة إلى لغات متعددة، حتى أصبحت الفروع اللاحقة مختلفة إلى درجة قد تجعل المتحدثين بها عاجزين عن فهم بعضهم بعضاً. ومع ذلك يستطيع الباحث، من خلال المقارنة المنتظمة، أن يكشف الكلمات المشتركة والقواعد المتقاربة وأن يعيد بناء بعض خصائص اللغة الأم التي لم يعد أحد يتحدث بها. والأمر نفسه قد يصح على الأساطير. فقد تنقسم الرواية الأم إلى روايات متباعدة، وتتغير أسماء شخصياتها ورموزها ومواقعها، لكن المقارنة الدقيقة قد تكشف بقايا الأصل المشترك. وإذا كان اختلاف اللغات لا يثبت تعدد نشأتها المطلقة، فإن اختلاف الأساطير لا يثبت أيضاً أنها ظهرت جميعاً بصورة مستقلة.
غير أن المقارنة بين اللغة والأسطورة لا تعني التطابق الكامل بينهما. فاللغة تنتقل من خلال نظام يومي واسع من الأصوات والقواعد، أما الأسطورة فتستطيع الانتقال في قصة قصيرة، وقد تعبر من ثقافة إلى أخرى حتى من دون انتقال اللغة التي ظهرت فيها. ولذلك قد يكون انتشار الأسطورة أسرع وأوسع من انتشار اللغة ذاتها.
وربما يبدو افتراض الأصل المشترك مستبعداً حين نقارن أساطير شعوب تفصل بينها مسافات شاسعة. ولكن هذا الاستبعاد يقوم أحياناً على تصور خاطئ للتاريخ القديم، كما لو أن الشعوب كانت تعيش في عزلة تامة. فالإنسان لم يتوقف عن الحركة منذ أقدم العصور. وقد انتقلت معه القصص عبر الهجرات، وطرق التجارة، والحروب، والسبي، والزواج بين الجماعات، والبعثات الدينية، والرحلات البحرية، والأسواق، ومجالس الحكام، والترجمات، والكتب، والرواة المتجولين. وليس من الضروري أن تنتقل القصة مباشرة من موطنها الأول إلى آخر مكان ظهرت فيه. فقد تمر عبر سلسلة طويلة من الوسطاء. تنقلها جماعة إلى أخرى، ثم تنقلها الثانية بعد تعديلها إلى ثالثة، حتى تصل إلى مكان بعيد وقد فقدت كل ما يشير إلى مسار انتقالها. وقد لا يحتاج انتقال القصة إلى انتقال شعب بأكمله؛ فقد يكفي تاجر واحد، أو أسير، أو بحّار، أو مترجم، أو رجل دين، أو رحالة، لتدخل الرواية فضاءً ثقافياً جديداً. ثم تتولى الجماعة المستقبلة نشرها وتوطينها حتى تصبح، بعد أجيال، جزءاً من تراثها الخاص. وحين تنسى الجماعة الطريق الذي وصلت منه القصة، تنظر إليها بوصفها نتاجاً أصيلاً لثقافتها. وهكذا تتحول الرواية الوافدة إلى ذاكرة محلية، ثم يصبح أصلها الخارجي غير مرئي.
غير أن أجزاء القصة لا تنتقل بالقوة نفسها. فبعض العناصر أكثر قدرة على البقاء لأنها مثيرة للدهشة، أو سهلة الحفظ، أو مشحونة بالخوف والرغبة، أو قابلة للتوظيف الديني والأخلاقي. أما التفاصيل العرضية والأسماء المعقدة والظروف التاريخية الدقيقة فقد تختفي سريعاً. ولهذا قد تحتفظ الأسطورة بفكرة المعرفة المحرمة، لكنها تنسى نوع تلك المعرفة. وقد تبقي على العهد الذي يعقده الإنسان مع قوة خفية، لكنها تغير هوية تلك القوة. وقد تحفظ العقوبة، بينما تضيع أسبابها الأصلية. وقد يبقى الطوفان في الذاكرة، لكن تختلف هوية الناجي، وعدد الناجين، وسبب الكارثة، والمكان الذي استقرت فيه السفينة. فما يبقى ليس بالضرورة ما كان أهم تاريخياً، بل ما كان أكثر قدرة على الصمود سردياً. فالذاكرة الثقافية لا تعمل كأرشيف محايد؛ إذ أنها تنتقي وتختزل وتعيد التنظيم.
وبذلك تخضع الأسطورة لما يمكن تسميته الانتخاب السردي. فالعناصر القادرة على إثارة الانتباه، وإنتاج المعنى، والاندماج في ثقافات جديدة، تكون أقدر على البقاء والانتشار. أما العناصر المرتبطة بظروف محلية ضيقة فقد تندثر أو تُستبدل بعناصر أكثر ملاءمة للبيئة الجديدة.
وهنا، لابد من التحذير من تحويل مبدأ الأصول المحدودة إلى تفسير جاهز لكل تشابه. فليس كل تماثل بين قصتين دليلاً قاطعاً على انتقال إحداهما من الأخرى، لأن بعض التشابهات قد تنشأ من تعرض المجتمعات لظروف إنسانية متقاربة. فالولادة والموت، والخوف من الكوارث، والصراع داخل الأسرة، والرغبة في الخلود، والخيانة، والسلطة، والحب، والجوع، والحرب، ظواهر عرفتها معظم المجتمعات. ولذلك قد تنتج عنها موضوعات سردية متشابهة من غير وجود صلة تاريخية مباشرة. غير أن التشابه العام في الموضوع يختلف عن التطابق المعقد في سلسلة من العناصر المرتبة. فوجود قصة عن كارثة مائية في ثقافتين لا يكفي وحده لإثبات الأصل المشترك. أما إذا تشابهت الروايتان في وجود تحذير سابق، وشخص مختار، ووسيلة نجاة، وحفظ نماذج من الكائنات، ومدة محددة، واستقرار في موضع مرتفع، فإن احتمال المصادفة أو الاختراع المستقل يصبح أضعف.
وعليه فإن الاستدلال على الأصل المشترك يحتاج إلى معايير، منها: عدد العناصر المتشابهة، ودرجة ندرتها، وترتيبها، وأقدمية النصوص، وإمكان وجود طرق للاتصال، وظهور صيغ وسيطة بين الروايات. فمبدأ الأصول المحدودة ليس دعوة إلى إهمال الدليل التاريخي، بل إلى البحث عنه في اتجاه مختلف.
وهنا لابد من ان نُعرِّج على علم النفس اليونغي الذي يرى أن تشابه الأساطير يعود إلى أن البشر يشتركون في أنماط أولية كامنة في اللاوعي الجمعي، ولذلك يعيدون إنتاج الرموز والقصص ذاتها في ثقافات متباعدة. أما مبدأ الأصول المحدودة فيقترح أن كثيراً من هذا التشابهات قد لا يحتاج إلى افتراض إنتاج نفسي مستقل، لأنه يمكن تفسيره من خلال انتقال القصص وتشظيها عبر التاريخ. فالفارق بين التفسيرين هو أن الأول يجعل مصدر التشابه داخل النفس البشرية، بينما يبحث الثاني عنه في تاريخ الاتصال والتواصل بين الجماعات وفي آليات الذاكرة الثقافية. ولا يلزم من ترجيح التفسير التاريخي نفي وجود بُنى نفسية مشتركة بين البشر. فقد تساعد الطبيعة الإنسانية المشتركة على تفسير سبب نجاح بعض القصص في الانتشار، وسبب انجذاب المجتمعات إليها، وسبب بقاء عناصر محددة منها. لكنها لا تثبت أن كل مجتمع قد أنتج القصة نفسها بصورة مستقلة. وبعبارة أخرى، فقد تفسر النفس البشرية المشتركة قابلية الأسطورة للانتشار، بينما يفسر التناقل الثقافي كيفية وصولها وانتشارها فعلاً. وهذا التمييز بالغ الدلالة، لأن كون قصة ما مؤثرة في جميع البشر لا يعني أن جميع البشر اخترعوها على نحو مستقل. فالاستعداد المشترك لاستقبال الرواية شيء، ومصدر الرواية التاريخي شيء آخر.
والآن، إذا صح مبدأ الأصول المحدودة، فإن مهمة دراسة الأساطير ستتغير جذرياً. فلن يكون المطلوب مجرد جمع أوجه التشابه والاختلاف، بل إعادة بناء شجرة النسب السردية لكل مجموعة من الأساطير. فقد تكون هناك شجرة لأساطير الطوفان، وأخرى لقصص المعرفة المحرمة، وثالثة لحكايات بيع النفس أو مبادلة المصير بالقوة والمعرفة، ورابعة لأساطير الرحلة إلى العالم الآخر، وخامسة لروايات المخلّص أو البطل العائد. وقد تتقاطع هذه الأشجار، لأن رواية ما تستطيع أن تقتبس عنصراً من عائلة أسطورية وعنصراً آخر من عائلة مختلفة. وهكذا قد تكون بعض الأساطير مركبة، لا تنحدر من أصل واحد خالص، بل نتجت عن اندماج أصول سردية متعددة.
وهذا يعني أن التعدد الأسطوري الذي نراه اليوم قد يكون ناتجاً عن عمليتين متزامنتين هما:
1. التفرع، حيث تنقسم القصة الواحدة إلى قصص كثيرة.
2. والاندماج، حيث تتحد عناصر من قصص مختلفة في أسطورة جديدة.
وعبر آلاف السنين من التفرع والاندماج، يصبح الناتج عالماً سردياً بالغ التعقيد، مع أن مواده الأصلية قد تكون أقل عدداً بكثير مما توحي به كثرة التجليات.
ويمكن، في ضوء هذه المقاربة، تعريف الأسطورة بأنها ليست دائماً خيالاً ابتدعه الإنسان لتفسير العالم، بل قد تكون أحياناً ذاكرة فقدت عنوانها التاريخي، فاحتفظت الرواية بالحدث ونسيت زمانه، أو حفظت الشخصية وبدلت اسمها، أو أبقت التحذير وغيّرت سببه، أو نقلت جوهر الواقعة إلى مكان آخر، أو أعادت صياغة تجربة حقيقية بلغة رمزية لم يعد من السهل تفكيكها.
وهذا لا يعني أن الأساطير كلها سجلات تاريخية مشفرة، ولا أن كل ما ورد فيها قد حدث فعلاً؛ فالخيال والإضافة والمبالغة وإعادة البناء عناصر أساسية في تكوين الأسطورة. لكن وجود هذه العناصر لا يمنع احتمال بقاء نواة تاريخية أو دينية أو ثقافية قديمة في داخلها. فكما أن الشجرة لا تصبح بلا جذر بسبب كثرة ما نبت على أغصانها، فإن الأسطورة لا تصبح بلا أصل لمجرد أن الخيال أضاف إليها طبقات متراكمة من نسجه.
إن تطبيق مبدأ الأصول المحدودة والتجليات المتعددة على الأساطير يفتح الباب أمام مشروع معرفي يمكن أن يتجاوز المقارنة الوصفية إلى محاولة إعادة بناء تاريخ السرد الإنساني. ويحتاج هذا المشروع إلى التعاون بين علم الأساطير المقارن، وعلم اللغة التاريخي، وعلم الآثار، ودراسة الأديان، وتاريخ الهجرات، والأنثروبولوجيا، وتحليل النصوص، والجغرافيا التاريخية. فلا يمكن الكشف عن أصل الرواية بالنظر إلى مضمونها وحده، بل يجب تتبع الطرق التي كان يمكن أن تسلكها، والنصوص الوسيطة التي ربما حملتها، والتحولات التي طرأت عليها في كل مرحلة.
وعوضاً عن افتراض أن التشابه بين أسطورتين يمثل برهاناً على “نمط نفسي عام”، يمكن البدء بسؤال أكثر قابلية للفحص: هل توجد بينهما صيغ وسيطة؟ وهل كان هناك اتصال مباشر أو غير مباشر بين الثقافتين؟ وأي الروايتين أقدم؟ وما هي العناصر التي ظهرت أولاً، وما هي العناصر التي أضيفت لاحقاً؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تسمح مستقبلاً برسم خرائط لأنساب الأساطير، شبيهة بخرائط الأُسَر اللغوية، تكشف كيف خرجت رواية من موطن ما، وكيف تغيرت وهي تعبر الحضارات، وكيف انقسمت إلى فروع بدت لاحقاً مستقلة.
إن ما يبدو أمامنا اليوم عالماً لانهائياً من الأساطير قد لا يكون إلا النتيجة المتأخرة لعملية طويلة من التشظي السردي. فالقصة لا تبقى واحدة حين تدخل التاريخ؛ إذ أنها تنقسم، وتهاجر، وتندمج، وتُترجم، وتُنسى بعض أجزائها، وتكتسب أجزاء جديدة، حتى تنتج عائلة كاملة من الروايات.
ولذلك فإن كثرة الأساطير لا تصلح في ذاتها دليلاً على كثرة أصولها، تماماً كما أن كثرة اللغات لا تعني أن كلاً منها نشأت من أصل مستقل، وكثرة الأغصان لا تعني تعدد جذور الشجرة.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه الدراسات المقبلة هو ليس ‘لماذا اخترعت الشعوب المتباعدة القصص نفسها؟”، وإنما: هل حقاً اخترعتها بصورة مستقلة؟ أم أن البشرية ظلت، طوال تاريخها، تعيد سرد عدد محدود من القصص، بعد أن غيرت أسماء أبطالها، وأماكن أحداثها، ولغة رموزها، ثم نسيت أنها كانت في يوم من الأيام قصة واحدة؟

أضف تعليق