في مرآة الضوء الخاطف… كيف كشفت السينما عن جغرافية النفس البشرية المشتركة؟

تأخذنا قراءة التاريخ البصري، كما تجلى في أعمال موسوعية رائدة مثل A Sudden Flicker of Light، إلى حقيقة ناصعة مفادها أن السينما لم تكن يوماً مجرد ابتكار تقني لملء الفراغ، بل كانت منذ انبعاث ضوئها الأول في العتمة بمثابة زلزال معرفي وأخلاقي أعاد تعريف صلتنا بأنفسنا وبالآخرين. فلقد استطاع الفن السابع، عبر مسيرته الحافلة، أن ينجز ما عجزت عنه الفلسفات والسياسات؛ إذ كشف عن “المشترك البشري” العميق، ومُعطِّلاً ببراعة تلك الدوامات المرضية التي نُشأت عليها البشرية عقوداً طويلة من التوجس والخوف من “المختلف”. فالقوة الفذة للشاشة البيضاء تكمن في قدرتها على نقل التجربة الذاتية من نطاقها الجغرافي المحدود لتصبح ملكاً للإنسانية جمعاء. فعندما نشاهد فيلم “الراعي الشجاع” / “أطفال السماء” (Children of Heaven) للمخرج مجيد مجيدي، فإننا لا نرى حكاية طفلين في حارة فقيرة فحسب، بل نرى النقاء الإنساني في أبهى صوره، ونلمس بؤس الفقر وحجم التضحية الأبوية والطفولية بلغة يفهمها قلب أي إنسان على وجه الأرض، دون حاجة لشرح أو تفسير.
وفي الوقت الذي سعت فيه الحروب والإيديولوجيات إلى تشييد الجدران وتنميط الآخر كعدو، جاءت السينما الصادقة لتنزع هذه الأقنعة. ففي فيلم “أضواء المدينة” (City Lights) لشارلي شابلن، يتجلى هذا المعنى عبر الكوميديا المأساوية التي تعري الهشاشة الإنسانية والرغبة الدفينة في العطاء بلا مقابل. أما في عمل مثل “أن تعيش” (To Live) للمخرج الصيني تشانغ ييمو، فإننا نتتبع تقلبات مصير عائلة وسط تحولات سياسية وهزات تاريخية كبرى؛ فلا نعود نرى “الصين” ككيان سياسي بعيد، بل نرى “الإنسان” وهو يصارع من أجل البقاء، ويتشبث بالأمل، ويبكي فقده، تماماً كما نفعل جميعاً بصرف النظر عن انتماءاتنا.
وتستمر السينما في أداء رسالتها الضمنية من خلال مواجهة تساؤلات الوجود الكبرى. ففي فيلم “الختم السابع” (The Seventh Seal) للمخرج السويدي إنغمار برغمان، تتحول المواجهة مع الموت والبحث عن المعنى إلى مرآة صقيلة تعكس حيرة كل بشرِي أمام الغيب والزمن؛ وهي مواجهة لا تعرف عرقاً ولا طبقة، بل تنفذ مباشرة إلى القلق الوجودي الخالص الذي نتشاركه كلُنا جميعاً.
وحتى عندما تحاول سينما “الربح السريع” أو “التسطيح الإيديولوجي” حرف الفن السابع عن غايته، تبرز أعمال مثل “شجرة الحياة” (The Tree of Life)  (تيرينس ماليك)، لتذكرنا بأن السينما قادرة على ربط تفاصيل المعاناة اليومية الصغيرة داخل أسرة واحدة بعظمة الكون ولغز الوجود، مذكرين إيانا بضعفنا المتشابه وأملنا المتجدد.
إن النتيجة التي نخرج بها بعد تأمل هذه المسيرة التاريخية هي أن السينما ستظل ملازمة للإنسان كظله، وقد تتعثر خطواتها أحياناً تحت ضغط التسليع وتسفيه الذائقة الفنية، لكنها سرعان ما تستعيد عافيتها كلما وقفت كاميرا صادقة لترصد خفقة قلب، أو دمعة خفية، أو لحظة انكسار شُجاعة.
سيبقى ذلك “الضوء الخاطف” هو النفق الذي نعبُره لنتعرف على ذواتنا في وجوه الآخرين، مرآةً حقيقيةً تصقل وعينا، وتذكرنا دوماً بأننا، رغم شتات الأرض واختلاف ألسنتنا، أَبناءُ حكايةٍ إنسانيةٍ واحدة بطلتها نفسنا الواحدة!

أضف تعليق