
من بين أكثر الأوهام رسوخًا في التفكير الإنساني، الاعتقاد بأن أكثر العوامل ظهورًا هي أكثرها تأثيرًا. ولذلك ينصرف انتباه الإنسان، في معظم الأحيان، إلى الأحداث الصاخبة، والأسباب المباشرة، والعناصر التي تتصدر المشهد، بينما تمر أمامه عوامل أخرى تعمل في صمت كامل، فلا يلتفت إليها، مع أنها قد تكون هي التي جعلت كل ما يراه ممكنًا من الأصل. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: ما هي أكثر العوامل ظهورًا في الظاهرة؟ وإنما: هل توجد عوامل يزداد تأثيرها كلما ازداد صمتها؟ فلقد اعتدنا أن نربط الأثر بالقوة الظاهرة. فإذا رأينا بناءً شامخًا، انشغلنا بالمهندس والعمال والآلات، لكننا نادراً ما نفكر في الأرض التي تحمل البناء كله. وإذا رأينا شجرة مثمرة، التفتنا إلى أغصانها وثمارها، بينما ننسى التربة التي تغذي جذورها. وليس ذلك لأن هذه العوامل مجهولة، بل لأنها ثابتة إلى درجة أن العقل توقف عن عدّها جزءًا من المشهد. وهذه هي طبيعة ما يمكن أن نسميه العوامل الصامتة. فهي ليست عوامل خفية بالمعنى الغامض، ولا قوى مجهولة تعمل وراء ستار، وإنما هي شروط تؤدي دورها باستمرار، ومن دون أن تعلن عن نفسها. وهذه العوامل لا تطلب الانتباه، ولا تفرض حضورها على الوعي، لأن نجاحها يكمن في أن تعمل من غير أن يشعر بها أحد.
ولعل هذا يفسر لماذا لا نلتفت إلى الهواء إلا عندما يندر، ولا إلى الماء إلا عندما ينقطع، ولا إلى نبض القلب إلا عندما يختل، ولا إلى الأمن إلا عندما يعم الخوف، ولا إلى الثقة إلا عندما تنهار. فهذه كلها عوامل صامتة؛ إذ أنها لا تدخل وعينا أثناء قيامها بوظيفتها، وإنما تدخل إليه لحظة توقفها عن أداء تلك الوظيفة.
ومن هنا، فإن الصمت ليس علامة على ضعف العامل، بل قد يكون علامة على كمال أدائه. فكلما أدى العامل وظيفته بانتظام، قلّ احتمال أن يلفت الانتباه إليه. أما إذا اختل، فإنه يتحول فجأة إلى مركز اهتمام الجميع. ولهذا فإن كثيرًا من الأشياء التي نعدها بديهية ليست في الحقيقة بسيطة، وإنما اعتدنا وجودها حتى فقدنا القدرة على رؤيتها. وينطبق هذا المبدأ على الطبيعة كما ينطبق على المجتمع. فالأرض تدور حول نفسها منذ ملايين السنين، والجاذبية تعمل من دون انقطاع، والغلاف الجوي يحمي الحياة باستمرار، ومع ذلك لا يفكر الإنسان في هذه العوامل إلا إذا درسها علميًا، أو إذا تخيل غيابها. وكذلك الحال في المجتمع؛ فالنظام، والقانون، والثقة، واللغة المشتركة، والعادات التي تنظم التعامل بين الناس، كلها تعمل بصمت، حتى يبدو للإنسان أن المجتمع يقوم وحده، بينما الحقيقة أن هذه العوامل هي التي تسمح له بأن يبقى مجتمعًا. بل أن الإنسان نفسه يقوم على عدد هائل من العوامل الصامتة. فذاكرته، وجهازه العصبي، وتوازنه الهرموني، وجهازه المناعي، وآلاف العمليات الكيميائية التي تجري داخله، كلها تعمل بلا ضجيج. ولا يشعر الإنسان بمعظمها إلا عندما يعتريها خلل. وكأن الصحة ليست شيئًا نحسه، وإنما شيئًا لا نحسه، لأن كل ما يصنعها يؤدي عمله كما ينبغي.
والأمر نفسه ينسحب على العلاقات الإنسانية. فالناس يتحدثون عن الحب، لكنهم قليلاً ما يتحدثون عن الاحترام الذي يحفظه، أو عن الصدق الذي يغذيه، أو عن الثقة التي تمنحه الاستقرار. وهذه العناصر لا تتصدر المشهد، لأنها لا تُرى ما دامت هي موجودة. لكن ما إن يختل أحدها، حتى يتبين أن ما كان يبدو علاقة متينة لم يكن يقوم إلا عليها.
ولعل الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الإنسان هو أنه يخلط بين العامل الظاهر والعامل المؤسس. فالعامل الظاهر هو الذي نراه لحظة وقوع الحدث، أما العامل المؤسس فهو الذي جعل وقوع ذلك الحدث ممكنًا من الأصل. وقد يجتمع الاثنان، لكنهما كثيرًا ما يفترقان. ولهذا فإن الاقتصار على العوامل الظاهرة قد يفسر كيف وقع الشيء، لكنه لا يفسر لماذا أمكن له أن يقع.
ومن هنا، يمكن النظر إلى العوامل الصامتة بوصفها طبقة أعمق من طبقات التفسير. فهي لا تنافس الأسباب المباشرة، ولا تنفيها، وإنما تكشف أن وراء كل سبب ظاهر شروطًا تمكينية تجعل تأثيره ممكنًا. وإذا غابت تلك الشروط، فقد يفقد السبب الظاهر قدرته كلها، مهما بدا قويًا.
ولعل أحد أهم أسباب تعثر كثير من النظريات العلمية والاجتماعية والفلسفية هو أنها تنشغل بما يتحرك أمامها، وتغفل ما يثبت تحتها. فهي تفسر الحدث، لكنها لا تفسر البيئة التي سمحت للحدث أن يكون حدثًا. ولذلك قد يكون من الضروري أن نضيف إلى كل سؤال عن الأسباب سؤالًا آخر لا يقل قيمة معرفية: ما هي العوامل الصامتة التي جعلت هذه الأسباب تعمل؟
إن النضج المعرفي لا يتمثل في جمع أكبر عدد من المعلومات عن الظواهر، وإنما في تعلّم رؤية ما لا يفرض نفسه على الانتباه. فالعقل الذي لا يرى إلا ما يتحرك أمامه سيظل أسيرًا لنصف الحقيقة. أما العقل الذي يتعلم البحث عن العوامل الصامتة، فسوف يقترب أكثر من فهم الكيفية التي يعمل بها الواقع. فليس كل ما يصنع العالم يعلن عن نفسه، وليس كل ما يصنع الإنسان أو الحضارة أو التاريخ يتصدر المشهد. وكثيرًا ما يكون أكثر المؤثرات أثرًا هو أقلها ظهورًا.
