لماذا لا يتعلم البشر من التاريخ؟

من بين أكثر العبارات حضورًا في الخطاب الثقافي والتربوي والسياسي، تلك العبارة التي تقول إننا ندرس التاريخ لكي لا نكرر أخطاء الماضي. ولطالما قُدمت دراسة التاريخ بوصفها المدرسة الكبرى التي يتعلم منها الإنسان كيف يتجنب الكوارث التي وقع فيها من سبقوه. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل يحمل التاريخ دروسًا وعبرًا؟ فهذا أمر لا يكاد يجادل فيه أحد. وإنما السؤال الأعمق هو: هل تَعلَّم البشر فعلًا من تلك الدروس؟ أم أن التاريخ نفسه يشهد بأنهم لم يتعلموا منها قط؟
إن مجرد استعراض تاريخ البشرية يكفي لإثارة هذا السؤال. فالحروب الكبرى لم تمنع اندلاع حروب أكبر منها. والانهيارات الاقتصادية لم تمنع تكرار الأزمات المالية. وسقوط الإمبراطوريات لم يمنع ظهور إمبراطوريات جديدة سلكت طريق الطغيان نفسه. والثورات التي رفعت شعارات الحرية انتهى كثير منها إلى أنظمة استبدادية جديدة. وحتى على المستوى الفردي، فإن الإنسان يقرأ سِير الطغاة، والفاسدين، والمقامرين، والمحتالين، ثم لا يلبث أن يسلك الطريق الذي سلكوه نفسه، وكأنه لم يقرأ شيئًا!
ولو كانت دراسة التاريخ كافية لتغيير سلوك الإنسان، لكان أكثر الناس فطنة هم المؤرخون أنفسهم، ولكانت أكثر الأمم قراءةً للتاريخ أقلها وقوعًا في الأخطاء. غير أن الواقع لا يقدم أي دليل على ذلك. بل أن الأمم الأكثر معرفة بتاريخ العالم قد خاضت هي الأخرى حروبًا مدمرة، وارتكبت أخطاء جسيمة، وأعادت إنتاج كثير من مآسي الماضي.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا كان ذلك؟ إن التفسير التقليدي يعزو ذلك إلى الطمع، أو الجهل، أو سوء التقدير، أو تغير الظروف التاريخية. غير أن هذه التفسيرات تصف بعض أسباب الفشل، لكنها لا تفسر الظاهرة في أصلها. فما الذي يجعل الإنسان، وهو يرى أمامه النتائج الكارثية لأفعال سبقه إليها غيره، يطمئن إلى أنه لن ينتهي النهاية نفسها؟
وهنا تقترح الميتابايولوجيا تفسيرًا مختلفًا. فهي ترى أن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات، وإنما في طبيعة الإنسان الميتابايولوجية نفسها، وبالتحديد فيما تسميه فائض التمثل؛ فهذا الفائض لا يكتفي بأن يجعل الإنسان يرى نفسه، وإنما يجعله يرى نفسه بوصفه حالةً استثنائية؛ إذ أنه يقنعه دائمًا بأن القواعد التي انطبقت على الآخرين قد لا تنطبق عليه، وأن الظروف التي أسقطت من سبقوه تختلف عن ظروفه، وأنه يمتلك من الذكاء، أو الخبرة، أو القوة، أو الحذر، ما يجعله قادرًا على النجاح حيث فشل غيره.
ولذلك فإن التاريخ، حين يعرض للإنسان مصائر السابقين، لا يؤدي دائمًا الوظيفة التي نتوقعها. فبدل أن يقول الإنسان: “قد يحدث لي ما حدث لهم”، يقول في أعماقه: “أنا مختلف عنهم.” وهذا هو سر المفارقة.
فالطاغية يقرأ تاريخ الطغاة الذين انتهوا إلى السقوط، لكنه يعتقد أن سلطانه أكثر رسوخًا منهم. والمستثمر المتهور يقرأ عن الانهيارات المالية السابقة، لكنه يظن أنه سيعرف اللحظة المناسبة للخروج قبل الجميع. والعاشق يرى مئات القصص التي انتهت بالفشل، ولكنه متيقن أن قصته ستكون مختلفة. وحتى المجتمعات والدول كثيرًا ما تكرر الأخطاء السياسية والعسكرية نفسها، لأن كل جيل يعتقد أن ظروفه فريدة، وأن التجارب السابقة لا تنطبق عليه بالكامل. ففائض التمثل لا يمنع الإنسان من معرفة التاريخ، بل يمنعه من إسقاط التاريخ على نفسه. ولهذا فإن المشكلة ليست في نقص العبرة، وإنما في مقاومة النفس لتطبيق العبرة على ذاتها.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو النصيحة سهلة حين توجه إلى الآخرين، لكنها تصبح عسيرة حين تتعلق بنا نحن. فالإنسان يستطيع أن يرى أخطاء غيره بوضوح، لكنه يجد صعوبة كبيرة في أن يتخيل نفسه وهو يرتكب الأخطاء ذاتها، وذلك لأن فائض التمثل يعيد باستمرار رسم صورة الذات بوصفها أكثر عقلانية، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على تجنب ما وقع فيه السابقون.
ومن المثير للاهتمام أن القرآن الكريم، حين يعرض قصص الأمم السابقة، فإنه لا يكتفي بسرد وقائع التاريخ، ولكنه يكسر هذا الوهم النفسي. فهو لا يدعو المتدبر لآياته إلى مجرد معرفة ما جرى، وإنما يدعوه إلى أن يرى نفسه داخل تلك القصص، وكأنها تتحدث عنه هو، وليس عن أناس مضوا وانقضى أمرهم. ولذلك تتكرر الدعوات إلى الاعتبار، والتفكر، والنظر في مصائر ومصارع الأمم، لأن الغاية ليست حفظ التاريخ، وإنما إزالة الحاجز الذي يمنع الإنسان من رؤية نفسه فيه. وبهذا المعنى، فإن التاريخ لا يعجز عن تعليم الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يعجز عن أن يعترف بأنه يشبه الذين سبقه التاريخ إلى الحكم عليهم.
ولعل هذا يفسر لماذا تتكرر الأخطاء عبر القرون، رغم أن المعرفة بها أصبحت أوسع من أي وقت مضى. فالتقدم في طرق حيازة المعلومات لا يقتضي بالضرورة تقدمًا في الوعي بالذات. وما دام فائض التمثل قائمًا، فسوف يبقى الإنسان مقتنعًا بأن الآخرين كانوا حالات عادية، أما هو فحالة مختلفة، وأن ما وقع لهم لن يقع له.
ولذلك، فإن أعظم درس يمكن أن تقدمه الميتابايولوجيا في هذا الباب هو أن التعلم الحقيقي من التاريخ لا يبدأ بقراءة الماضي، وإنما يبدأ بتحرير الإنسان من وهم استثنائيته. فعندما يدرك أنه يخضع للقوانين الإنسانية نفسها التي خضع لها من سبقوه، يصبح التاريخ مرآةً يرى فيها مستقبله المحتمل، لا مجرد سجلٍّ لأحداث انتهت. أما إذا بقي أسير فائض التمثل، فسوف يظل يقرأ التاريخ بإعجاب، ثم يخرج منه مقتنعًا بأن كل ما جرى لغيره لن يجري له أبدًا. وهكذا يستمر التاريخ في تكرار نفسه، لا لأنه يخلو من الدروس، بل لأن الإنسان يصر على الاعتقاد بأنه الاستثناء الذي لا تنطبق عليه تلك الدروس.

أضف تعليق