نحو منهج جديد في التدبر القرآني… التراكم المعرفي لأدوات فهم الوحي

من بين أكثر الافتراضات رسوخًا في الفكر الإسلامي، ذلك الافتراض الذي يكاد يُعامل بوصفه حقيقةً لا تحتاج إلى برهان، ومفاده أن الأدوات التي احتاجها المسلم الأول لفهم القرآن الكريم هي نفسها الأدوات التي ينبغي أن يكتفي بها المسلم المعاصر. ولذلك فإن كثيرًا من الدعوات إلى تجديد التفسير ظلت تدور بين اتجاهين متقابلين؛ أحدهما يدعو إلى الاكتفاء بما وصل إليه السلف من فهم، والآخر يدعو إلى إعادة قراءة القرآن في ضوء معطيات العصر. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: أي الاتجاهين أصوب؟ وإنما: هل المشكلة أصلًا في التفسير، أم في تصورنا لطبيعة الأدوات التي يحتاجها الإنسان لفهم النص الإلهي؟ وأول ما ينبغي إدراكه هو أن القرآن الكريم لم يتغير، ولن يتغير، لأنه كلام الله الذي تكفل سبحانه بحفظه. فموضوع التجديد ليس النص، ولا معانيه، ولا مقاصده، وإنما الإنسان الذي يقرأ هذا النص. فالقرآن ثابت، أما المتدبر فمتغير، وتتغير معه لغته، وثقافته، وعلومه، وطريقته في إدراك العالم، والمسافة الزمنية التي تفصله عن عصر التنزيل.
ومن هنا تنطلق هذه المقاربة من مبدأ تأسيسي بسيط، لكنه بالغ الأثر، وهو أن ثبات النص لا يستلزم ثبات أدوات فهمه. بل أن العكس هو الأقرب إلى مقتضى العقل؛ فكلما ازداد البعد بين المتدبر والبيئة التي نزل فيها القرآن، ازدادت حاجته إلى أدوات معرفية تعوض ما فقده من وسائل الفهم المباشر. فلقد كان الصحابة يمتلكون، بحكم معايشتهم لعصر التنزيل، أدوات لا يملكها المسلم اليوم؛ إذ كانوا يتحدثون بلسان القرآن، ويعرفون أساليب العرب، ويعيشون البيئة الثقافية والاجتماعية نفسها التي خوطبت بالوحي، ويشهدون الوقائع التي نزلت فيها الآيات، ويتلقون البيان النبوي مباشرة. ولذلك لم يكونوا بحاجة إلى كثير من العلوم التي ظهرت لاحقًا. ومع مرور الزمن، بدأت هذه الأدوات المعرفية تختفي، فظهرت علوم النحو، والصرف، والبلاغة، وغريب القرآن، وأسباب النزول، والقراءات، وأصول الفقه، وغيرها. ولم يكن ظهور هذه العلوم إضافةً إلى القرآن، بل كان تعويضًا عما فقده الإنسان من وسائل الفهم المباشر.
وهنا يبرز سؤال جديد: فإذا كانت الأمة قد قبلت عبر تاريخها إضافة أدوات معرفية جديدة كلما دعت الحاجة إليها، فلماذا يتوقف هذا التراكم عند حدود القرون الأولى؟ ولماذا يُفترض أن القرن الحادي والعشرين لا يحق له أن يضيف أدوات جديدة تساعد على فهم النص، مادامت لا تزاحم القرآن في سلطته، ولا تفرض عليه معاني من خارجه؟
إن تاريخ التفسير نفسه يشهد بأن أدوات الفهم كانت في حالة تطور مستمر. فقد أضاف كل عصر ما توفر له من علوم إلى خدمة القرآن، ولم يعد أحد ينكر اليوم قيمة علوم لم تكن موجودة زمن الصحابة. فلماذا يصبح التراكم المعرفي مشروعًا حين يقع في القرن الثاني أو الثالث الهجري، وغير مشروع إذا وقع في القرن الخامس عشر الهجري؟
إن المنهج المقترح هنا يميز بوضوح بين أمرين كثيرًا ما اختلطا في النقاشات المعاصرة: تطور أدوات الفهم وتغيير معاني النص. فالأول ضرورة معرفية يفرضها تغير الإنسان، أما الثاني فلا يقول به هذا المنهج ولا يقره. فالقرآن لا يحتاج إلى إعادة كتابة، ولا إلى إعادة تشكيل، ولكن الإنسان هو الذي يحتاج لإعادة تأهيل نفسه حتى يقترب من أفقه الدلالي.
ومن هنا يمكن صياغة أحد المبادئ الأساسية لهذه المقاربة الجديدة: فكل معرفة صحيحة تكشف جانبًا من اللغة، أو الإنسان، أو العالم، يمكن أن تصبح أداةً من أدوات التدبر، ما دامت لا تتحول إلى سلطة فوق النص، ولا تُفرض عليه فرضًا. ووفقاً لهذه المقاربة، فإن علوم اللغة الحديثة، وفلسفة اللغة، واللسانيات، وتحليل الخطاب، والعلوم المعرفية، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب، والأنثروبولوجيا، بل وحتى بعض معطيات الفيزياء وعلم الأحياء، يمكن أن تؤدي دورًا مساعدًا في إزالة الحواجز التي تحول بين المتدبر والنص. فهي لا تفسر القرآن بذاتها، لكنها تساعد على فهم الإنسان الذي يخاطبه القرآن، واللغة التي يحمل بها المعنى، والعالَم الذي يتحدث عنه.
وفي هذا السياق تكتسب الميتابايولوجيا قيمة معرفية خاصة. فهي لا تُقدَّم بوصفها تفسيرًا جديدًا للقرآن، ولا بديلًا عن علوم التفسير، وإنما بوصفها علمًا يسعى إلى إعادة بناء فهمنا للظاهرة الإنسانية ذاتها. فإذا كان القرآن يخاطب الإنسان، فإن تعميق معرفتنا بحقيقة الإنسان يصبح وسيلةً لتلقي هذا الخطاب بوعيٍ أشمل. فكل تقدم حقيقي في فهم النفس، والإرادة، والفطرة، والوعي، والعلاقة بين الإنسان وسائر الكائنات، يمكن أن يكشف أبعادًا جديدة في الخطاب القرآني، من غير أن يضيف إلى النص شيئًا لم يكن فيه.
ومن هنا تقترح هذه المقالة مبدأً منهجيًا جديدًا يمكن صياغته على النحو الآتي: إن أدوات التدبر ليست جزءًا من الوحي، وإنما هي جزء من الإنسان. ولأن الإنسان يتطور معرفيًا عبر الزمن، فإن أدوات تدبره ينبغي أن تتطور هي الأخرى، بينما يبقى الوحي ثابتًا في ألفاظه ومعانيه ومقاصده.
وعلى هذا الأساس، فإن تاريخ التفسير لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه سلسلةً من المعاني النهائية المغلقة، وإنما بوصفه تاريخًا لتطور الأدوات التي اقترب بها الإنسان من النص. وسيظل هذا التاريخ مفتوحًا مادام الإنسان يكتشف كل يوم حقائق جديدة عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه.
إن هذا المنهج لا يدعو إلى “عصرنة القرآن”، ولا إلى إخضاعه للنظريات العلمية المتغيرة، بل يدعو إلى ما هو أبسط وأعمق من ذلك: أن يتواضع الإنسان أمام النص، وأن يعترف بأن قصوره المعرفي هو الذي يحتاج إلى علاج، لا كمال الوحي. فالقرآن لا ينتظر من الإنسان أن يغيره، وإنما ينتظر منه أن يرتقي بأدواته حتى يصبح أكثر قدرة على الإصغاء إليه.
ولعل هذا هو أحد أوجه الإعجاز المتجدد للقرآن؛ فهو كتاب لا يحتاج إلى أن يتغير مع تغير العصور، لأن الذي يتغير هو الإنسان، وذلك بتطور الأدوات المعرفية التي بوسعه أن يفيد منها في تدبره له، وكلما ازداد الإنسان علمًا، واتسعت أدواته المعرفية، وتحرر من أوهام الاكتفاء بما يمتلكه من وسائل للفهم، ازداد اقترابًا من كتابٍ لم يزل، منذ أول يوم نزل فيه، يخاطب الإنسان في كل زمان، لكنه يطالبه في كل عصر بأن يأتي إليه بما يملكه عصره من أدوات، لا ليحاكم بها الوحي، بل ليكون أقدر على فهمه.

أضف تعليق