لماذا نحتاج اليوم لكثير من الأدوات المعرفية قبل الشروع بتدبر القرآن

من بين أكثر التصورات التي تحتاج إلى مراجعة في تعاملنا المعاصر مع القرآن الكريم، الاعتقاد بأن الوسائل التي تكفي لفهمه اليوم هي نفسها التي كانت تكفي لفهمه يوم نزل على النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فهذا التصور يفترض، من حيث لا يشعر أصحابه، أن القارئ المعاصر يقف على المسافة نفسها من النص التي كان يقف عليها العربي الأول، وأنه يمتلك الأدوات اللغوية والمعرفية نفسها التي امتلكها أولئك الذين خوطبوا بالقرآن ابتداءً. فالقرآن لم يتغير، وهو محفوظ بنصه ومعانيه وهدايته إلى قيام الساعة، إذ قال الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.. ولكن السؤال هو: هل بقي الإنسان الذي يقرأ القرآن يمتلك الأدوات نفسها التي امتلكها أول المخاطَبين به؟
صحيح أن النص الإلهي لم يتبدل، ولم يطرأ عليه ما يوجب إعادة صياغته أو تطويره، لكن ثبات النص لا يعني ثبات القارئ. فالذي تغير عبر القرون هو الإنسان، ولغته، وثقافته، ومنظومته المفاهيمية، والعلوم التي يمتلكها، والمسافة الزمنية التي تفصله عن عصر التنزيل. ومن هنا، فإن ما يحتاج إلى التطور ليس القرآن، وإنما أدوات الاقتراب منه. ولهذا السبب، فإن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ لإثبات أن الإنسان يستطيع فهم القرآن من غير أي إعداد معرفي، هو استدلال يحتاج إلى تدقيق. فالآية الكريمة لم تُخاطب أناسًا يجهلون العربية، ولا قومًا تفصلهم عن عصر التنزيل أربعة عشر قرنًا، وإنما خاطبت مجتمعًا كان يتنفس اللسان العربي الذي نزل به القرآن، ويفهم تلقائيًا أساليبه، وإيقاعه، ومجازاته، ودلالات ألفاظه. أما المسلم المعاصر، فإن كثيرًا من الكلمات القرآنية لم تعد تؤدي في ذهنه المعنى الذي كانت تؤديه عند العربي الأول، بل أصبح يحملها، في أحيان كثيرة، على دلالات استقرت في العربية المتأخرة أو في الاستعمالات الحديثة، وهو ما قد يوقعه في فهم لم يرده النص.
ومن هنا، فإن أول أداة لا غنى عنها للمتدبر المعاصر هي تعلم لسان القرآن العربي المبين، لا الاكتفاء بالعربية التي نتحدثها اليوم، سواء أكانت فصيحة أم عامية. فالفرق بين اللغتين ليس فرقًا في الألفاظ وحدها، بل في شبكة الدلالات التي كانت تحيط بالكلمة، وفي العلاقات التي كانت تربط المفردات بعضها ببعض داخل النسق اللغوي الذي نزل به الوحي. غير أن الحاجة إلى الأدوات المعرفية لا تقف عند حدود اللغة. فالمسافة التي تفصلنا عن عصر التنزيل ليست لغوية فحسب، بل هي أيضًا تاريخية، وثقافية، ومعرفية. ولذلك نشأت عبر التاريخ علوم القرآن، والحديث، وأسباب النزول، والقراءات، وغريب القرآن، والبلاغة، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم التي لم تكن مطلوبة من الصحابة بالقدر نفسه، لأن كثيرًا من معارفها كان حاضرًا في حياتهم اليومية. وهذه العلوم لم تضف شيئًا إلى القرآن، وإنما أعادت إلى المتلقي بعض ما فقده من أدوات الفهم.
إلا أن عصرنا يشهد تحولًا معرفيًا غير مسبوق، يتمثل في نشوء علوم جديدة لم تكن معروفة من قبل، كفلسفة اللغة، واللسانيات الحديثة، وتحليل الخطاب، وعلم الإدراك، والعلوم المعرفية، بل وحتى علوم الأحياء والأعصاب والذكاء الاصطناعي. وهذه العلوم لا تملك سلطة على القرآن، ولا يحق لها أن تحاكمه، لكنها قد تقدم وسائل جديدة تساعدنا على فهم الإنسان الذي يخاطبه القرآن، والطريقة التي ينتج بها المعنى، والكيفية التي تؤثر بها اللغة في الإدراك، فتزيل بذلك بعض الحواجز التي صنعتها القرون بين النص ومتدبره.
ومن هنا تقترح المقاربة الميتابايولوجية مبدأً تفسيريًا جديدًا، يمكن تسميته مبدأ التراكم المعرفي في أدوات التدبر. ويقوم هذا المبدأ على أن النص القرآني ثابت، بينما تتراكم وسائل فهمه مع الزمن. فكل اكتشاف صحيح يتعلق باللغة، أو بالنفس الإنسانية، أو بالإدراك، أو بطبيعة الإنسان، يمكن أن يصبح أداةً إضافية تعين على الاقتراب من مراد النص، ما دام لا يُفرض على القرآن فرضًا، ولا يُتخذ معيارًا للحكم عليه.
ولهذا فإن العلوم الحديثة ليست منافسة للوحي، وإنما يمكن أن تكون، إذا استُعملت بمنهج صحيح، خادمةً له. فكما استعان المفسرون الأوائل بعلوم عصرهم لفهم القرآن، يحق للمتدبر المعاصر أن يستعين بما ثبت من علوم عصره، شريطة أن يظل القرآن هو المرجعية العليا، لا أن يتحول إلى تابع للنظريات العلمية المتغيرة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الميتابايولوجيا مكانة خاصة بين الأدوات المعرفية المقترحة للتدبر. فهي لا تدَّعي أنها تفسر القرآن، ولا أنها تحل محل علوم التفسير، وإنما تسعى إلى تقديم تصور أكثر اكتمالًا للظاهرة الإنسانية التي يتوجه إليها الخطاب القرآني. فإذا كان القرآن يخاطب النفس، والإرادة، والابتلاء، والهوى، والتزكية، والحرية، فإن أي علم يقترب من فهم هذه الظواهر يمكن أن يسهم في إزالة بعض الغموض الذي يحيط بتلقي الإنسان للخطاب الإلهي.
وبهذا المعنى، فإن الميتابايولوجيا لا تضيف معنى جديدًا إلى القرآن، وإنما تضيف أداةً جديدة إلى القارئ. فهي تحاول أن تجيب عن أسئلة لم تكن مطروحة من قبل: ما الذي يميز الإنسان عن الحيوان تميزًا نوعيًا؟ وكيف نشأت النفس الإنسانية؟ وما العلاقة بين الإرادة والفطرة؟ وكيف تتشكل الدوافع التي يتحدث عنها القرآن؟ وكلما اقتربت العلوم من الإجابة عن هذه الأسئلة، ازداد الإنسان قدرة على إدراك العمق الذي ينطوي عليه الخطاب القرآني. فالقرآن لا يحتاج إلى تحديث، لأن كلام الله كامل منذ لحظة نزوله. أما الإنسان، فهو الذي يحتاج في كل عصر إلى أن يُحدِّث أدوات فهمه، وأن يوسع أفقه المعرفي، وأن يراجع مفاهيمه باستمرار، حتى يكون أكثر قدرة على الإصغاء إلى النص كما هو، لا كما تفرضه عليه عاداته الفكرية أو حدود ثقافته. فكل جيل لا يضيف شيئًا إلى القرآن، وإنما يضيف إلى نفسه وسائل جديدة لفهمه.
ولعل هذا هو أحد معاني خلود القرآن. فهو ليس كتابًا تتغير حقائقه مع الزمن، وإنما كتاب تتجدد قدرة الإنسان على اكتشاف أبعاد هدايته كلما اتسعت أدواته المعرفية، وبقي ملتزمًا بالمنهج الذي يجعل الوحي قائدًا للعلم، لا تابعًا له، ويجعل العلم جسرًا يقرب الإنسان من كلام الله، لا سلطة تعلو عليه.

أضف تعليق