“إغلاق العقل الروسي”… أم انكشاف هشاشة العقل البشري؟

من بين أكثر الأوهام رسوخًا في الوعي الإنساني، الاعتقاد بأن التقدم العلمي والتقني الذي أحرزه الإنسان قد صاحبه بالضرورة تقدم مماثل في سلامة منطقه وطريقة تفكيره. فكلما ازداد العلم تعقيدًا، واتسعت قدرات الإنسان الحسابية والمعرفية، ازداد اطمئنانه إلى أنه أصبح أقل عرضة للأخطاء التي وقع فيها أسلافه. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل أصبح الإنسان المعاصر أذكى من الإنسان الذي عاش قبل آلاف السنين؟ فهذا يكاد يكون أمرًا لا خلاف عليه من حيث اتساع أدواته المعرفية وإمكاناته العقلية. وإنما السؤال الأعمق هو: هل أصبح منطقه أكثر استقامة حين يتعلق الأمر بما تمليه عليه انحيازاته النفسية والتمثلات التي يحملها عن نفسه وعن الآخرين؟
ولعل من أكثر الأمثلة إثارة للتأمل في هذا السياق صدور كتاب يحمل عنوان «Closing the Russian Mind»، أي: إغلاق العقل الروسي. وليس المقصود هنا مناقشة الموقف السياسي للكتاب، ولا تقييم تحليله للواقع الروسي، وإنما الوقوف عند الفرضية الكامنة في عنوان كهذا: كيف يمكن لعقلٍ علمي في القرن الحادي والعشرين أن يقبل بصياغة حكم عام يتناول “العقل الروسي” وكأنه كيان واحد متجانس يمكن وصفه بالإغلاق أو الانفتاح؟ فمجرد قبول مثل هذا التعميم يكشف لنا أن الإنسان المعاصر لم يتحرر بعد من أحد أقدم أخطاء التفكير البشري، وهو تحويل ملايين البشر المختلفين إلى “عقل” واحد، وإسناد صفة معرفية واحدة إلى شعب كامل، وكأن الانتماء القومي يكفي وحده لتفسير طريقة التفكير، أو لتحديد الموقف الأخلاقي والسياسي لكل فرد ينتمي إلى تلك الأمة.
ومن منظور ميتابايولوجي، لا يبدو هذا مستغربًا. فحين يتدخل فائض التمثل، لا يعود الإنسان يرى الأفراد كما هم، وإنما كما تقتضي الصورة التي كوَّنها عن الجماعة التي ينتمون إليها. وعندئذٍ يصبح الروسي هو “العقل الروسي”، والعربي هو “العقل العربي”، والشرقي هو “العقل الشرقي”، والمسلم هو “العقل المسلم”، والمرأة هي “عقل الأنثى”. وتتحول الفوارق الفردية الهائلة بين البشر إلى تفاصيل لا تستحق الالتفات إليها، لأن فائض التمثل لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن الصورة التي يريد تثبيتها.
وليس هذا النمط جديدًا في تاريخ الفكر. فقد امتلأت المكتبات بكتب تناولت “العقل العربي”، و”العقل الشرقي”، و”العقل الإسلامي”، و”العقل الأنثوي”، وغيرها من العناوين التي توحي بأن ملايين البشر يمكن اختزالهم في عقل واحد ومنطق واحد. بل إن التاريخ العلمي نفسه لم يخلُ من أحكام عامة لا تقل جرأة، حين جزم لقرون طويلة بأن الحيوان لا عقل له، قبل أن تضطر الاكتشافات الحديثة إلى مراجعة كثير من تلك المسلمات.
والأكثر إثارة للتساؤل هو المعيار الذي يُبنى عليه هذا النوع من الأحكام. فإذا كان عجز الروس عن إجبار حكومتهم على تغيير سياستها يكفي للحديث عن “إغلاق العقل الروسي”، فهل يحق لنا، بالمنطق نفسه، أن نتحدث عن “إغلاق العقل الأمريكي” لأن الشعب الأمريكي لم يمنع غزو العراق؟ أو عن “إغلاق العقل البريطاني” لأن البريطانيين لم يحولوا دون مشاركة حكومتهم في تلك الحرب؟ أو عن “إغلاق العقل الفرنسي” أو غيره كلما عجز شعب عن فرض إرادته على حكامه؟
إن التجربة التاريخية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فأغلب شعوب الأرض لم تكن قادرة، في معظم مراحل التاريخ، على تغيير السياسات الكبرى التي تتخذها حكوماتها. بل إن كثيرًا منها أدرك منذ زمن بعيد أن قدرته على التأثير في القرارات المصيرية محدودة للغاية، هذا إن لم تكن معدومة اصلاً! وإذا كان هذا هو حال الشعوب جميعًا تقريبًا، فلماذا يصبح هذا العجز، حين يتعلق بشعب معين، دليلًا على خلل في “عقله”، بينما لا يُعامل بالطريقة نفسها عند غيره؟
إن المشكلة هنا ليست سياسية، بل معرفية. فهي تكشف عن استعداد العقل البشري لتجاوز أبسط قواعد الاستدلال كلما وجد نفسه أمام جماعة صارت، في وعيه، تمثل “الآخر”. فبدلًا من تحليل الوقائع المركبة، يلجأ إلى التعميم، وبدلًا من دراسة الأفراد، يصنع شخصيةً متخيلة لشعب بأكمله، ثم يبدأ في محاسبة ملايين الناس على أساس تلك الشخصية المتخيلة.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لكتاب كهذا لا تكمن فيما قد يقوله عن روسيا، بل فيما يكشفه عن الإنسان نفسه. فهو يقدم شاهدًا جديدًا على أن التقدم العلمي لا يضمن سلامة المنطق، وأن امتلاك أدوات معرفية متطورة لا يحول دون الوقوع في أخطاء معرفية بدائية إذا استولت التمثلات على عملية التفكير.
وهذا بالضبط ما تحاول الميتابايولوجيا تفسيره. فهي ترى أن الإنسان لا يقع في مثل هذه الأخطاء لأنه يفتقر إلى الذكاء، وإنما لأنه يظل، مهما ارتفع مستوى ذكائه، خاضعًا لتأثير فائض التمثل، الذي يدفعه إلى رؤية العالم من خلال الصور الذهنية قبل أن يراه من خلال الوقائع نفسها. ولهذا السبب يستطيع العقل نفسه الذي يبتكر أكثر النظريات الفيزيائية تعقيدًا أن يقع، في الوقت ذاته، في أبسط مغالطات التعميم حين يتعلق الأمر بالسياسة أو الهوية أو الانتماء.
ولذلك، فإن كتابًا من هذا القبيل، أيًا كان تقييم مضمونه، ينبغي أن يُقرأ بوصفه تذكيرًا بأن المشكلة الكبرى التي تواجه الحضارة الإنسانية هي ليست نقص المعرفة، بل هشاشة المنهج الذي تُستخدم به تلك المعرفة. فما دام الإنسان يطلق الأحكام على الشعوب بالطريقة نفسها التي كان يطلقها قبل قرون، فإن الفرق بينه وبين أسلافه قد يكون فرقًا في مقدار المعلومات، وليس في سلامة التفكير.
ولعل أعظم درس يمكن استخلاصه من هذه الظاهرة هو أن البشرية لا تحتاج إلى ثورة علمية جديدة بقدر حاجتها إلى ثورة على نفسها؛ ثورة تتحرر فيها من سلطان فائض التمثل، فلا يعود الإنسان يرى الشعوب من خلال الصور التي رسمها لها، بل من خلال البشر الحقيقيين الذين تتكون منهم تلك الشعوب. فهناك، وربما هناك وحده، يبدأ العقل بالتحرر من أقدم أوهامه.

أضف تعليق