
من بين أكثر العبارات التي استوقفت الفلاسفة والمفكرين عبر العصور تلك العبارة التي وردت في التراث الإغريقي ثم وجدت صداها في أسفار المأثورات القديمة: “لا جديد تحت الشمس”. فلطالما اعتُبرت هذه المقولة تعبيرًا عن تشاؤم فلسفي يرى أن التاريخ يعيد نفسه، وأن الإنسان يدور في حلقة لا تنتهي من التكرار. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل تتكرر الأحداث؟ فهذا أمر يكاد يشهد له التاريخ في مواضع كثيرة. وإنما السؤال الأعمق هو: هل تتكرر الأفكار نفسها أيضًا، مهما اختلفت أسماؤها ولغاتها وصورها؟ فلقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى عصره بوصفه “عصرًا غير مسبوق”، وإلى أفكاره بوصفها قطيعة مع ما سبقها. وكل جيل يكاد يؤمن بأنه يقف على بداية تاريخ جديد، وأن ما ينتجه من فلسفات ونظريات ورؤى لم يخطر على بال من سبقه. غير أن التأمل الطويل في التراث الإنساني يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا. فما نسميه اليوم أفكارًا جديدة قد لا يكون في حقيقته إلا إعادة ترتيب لأفكار قديمة، أو إعادة صياغة لها بلغة جديدة، أو إعادة توظيفها في سياق مختلف، أو إعادة اكتشافها من جديد.
ولو أمكن للباحث أن يضع ملايين الكتب التي كتبها البشر منذ فجر التاريخ على طاولة واحدة، ثم يحاول تصنيفها بحسب الأفكار الجوهرية التي تدافع عنها، لا بحسب لغاتها أو مناهجها أو مصطلحاتها، لربما اكتشف أن هذا البحر الهائل من المؤلفات يمكن اختزاله إلى عدد محدود نسبيًا من “البنى الفكرية الكبرى” التي لا تكاد البشرية تغادرها. فالكتب تتعدد، أما الأفكار المؤسسة التي تدور حولها فلا تتعدد بالمقدار نفسه. فالإنسان يظن أنه ينتج معرفة جديدة، بينما يكون في كثير من الأحيان يعيد إنتاج تمثلاته القديمة. فهو يغير الألفاظ أكثر مما يغير الرؤية، ويستبدل المصطلحات أكثر مما يستبدل المنطلقات، ويبدل الشعارات أكثر مما يبدل الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى العالم.
ولذلك فإن الفلسفات الكبرى، على اختلاف عصورها، كثيرًا ما تعود إلى الأسئلة نفسها: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ ما الخير؟ ما الحرية؟ وما العدالة؟ كما أن الأيديولوجيات السياسية لا تكف عن إعادة إنتاج الثنائية نفسها بين الفرد والجماعة، أو بين السلطة والحرية، أو بين المساواة والتفاوت. وحتى النظريات العلمية الكبرى، مع ما تحققه من تقدم حقيقي في تفسير الظواهر، فإنها كثيرًا ما تعيد إحياء أنماط تفسيرية عرفها الإنسان بصور أخرى، فتتغير النماذج، لكن يبقى العقل يبحث بالآليات نفسها عن النظام والوحدة والسببية والمعنى.
ومن هنا قد يكون وهم الحداثة أحد أكثر الأوهام رسوخًا في الوعي البشري. فالإنسان مولع بأن يصدق أنه تجاوز الماضي، مع أن الماضي كثيرًا ما يعيش فيه دون أن يشعر. كما وأن الانسان يظن أنه ترك أسلافه خلفه، بينما هو يحملهم في داخله، ويحمل معهم طرائقهم في النظر، وإن اختلفت الأسماء التي يطلقها عليها.
ولا يعني ذلك أن تاريخ المعرفة لم يشهد تقدمًا حقيقيًا. فالتقدم العلمي والتقني حقيقة لا سبيل إلى إنكارها. كما أن تراكم المعارف منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على فهم العالم وتسخيره. لكن هذا شيء، والقدرة على إنتاج رؤى جديدة جذريًا عن الإنسان والوجود شيء آخر. فقد تتضاعف المعلومات آلاف المرات، بينما تبقى البنية الذهنية التي تنتج التأويلات الكبرى أسيرة عدد محدود من المسالك.
وهنا تبرز القيمة البالغة للنظر إلى الفكر الإنساني من زاوية مختلفة. فبدل أن نسأل: كم فكرة جديدة أنتج الإنسان؟ ربما ينبغي أن نسأل: كم طريقة مختلفة استطاع الإنسان أن يرى بها نفسه والعالم؟ فقد يكون عدد الإجابات أقل بكثير مما توحي به كثرة الكتب والمذاهب والمدارس.
وتقدم المقاربة الميتابايولوجية تفسيرًا لهذا التكرار. فهي ترى أن الإنسان لا يعيد إنتاج الأفكار لأنه يفتقر إلى الذكاء، بل لأنه ينظر إلى العالم من خلال فائض التمثل، الذي لا يكتفي بتشكيل صورة الإنسان عن نفسه، بل يرسم أيضًا الحدود التي يتحرك داخلها خياله الفلسفي والعلمي والسياسي. وما دام هذا الفائض نفسه هو الذي يقود عملية إنتاج المعنى، فإن الإنسان سيظل يدور داخل عدد محدود من الأنماط التفسيرية، مهما بدا له أنه يبتكر جديدًا.
وعندئذٍ يغدو تاريخ الفكر البشري أشبه بمرآة ضخمة تعكس الصورة ذاتها بأطر مختلفة؛ فتتغير الألوان، وتتبدل الزخارف، وتتطور اللغة، لكن الملامح الأساسية تبقى هي نفسها. وما نسميه مدارس فكرية جديدة قد يكون، في كثير من الأحيان، مجرد وجوه جديدة لتمثلات قديمة.
ولعل هذا هو المعنى الفلسفي الأعمق للمقولة القديمة: “لا جديد تحت الشمس”. فهي ليست دعوة إلى إنكار الإبداع، ولا إلى التقليل من شأن التقدم العلمي، وإنما تذكير بأن الإنسان قد يكرر نفسه أكثر بكثير مما يظن. وأن أعظم أوهامه ربما كان اعتقاده أنه خرج من الماضي، بينما لا يزال الماضي هو الذي يفكر من خلاله.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل فلسفة المعرفة في المستقبل قد لا يكون: كيف ننتج أفكارًا أكثر؟ وإنما: كيف نتحرر من الحدود التمثلية التي تجعلنا نعيد إنتاج الأفكار نفسها، جيلاً بعد جيل، ونحن نظن في كل مرة أننا اكتشفنا عالمًا جديدًا؟
